سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا العباس القاص يقول : سمعت أبا الحسن الشعراني يقول :
رأيت منصور بن عمار في المنام ، فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟
فقال قال لي : أنت منصور بن عمار ؟ فقلت : بلى يا رب ،
قال : أنت الذي كنت تزهد الناس في الدنيا وترغب فيها ؟
قلت : قد كان ذلك يا رب ، ولكني ما اتخذت مجلسا إلا بدأت بالثناء عليك وثنيت بالصلاة على نبيك ؛ صلى اللّه عليه وسلم ، وثلثت بالنصيحة لعبادك .
فقال : صدق ، ضعوا له كرسيا ، يمجدنى في سمائي بين ملائكتي ، كما كان يمجدنى في أرضى بين عبادي « 1 » .
أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار
نيسابوري ، منه انتشر مذهب الملامتية « 2 » بنيسابور .
صحب سلما « 3 » الباروسى ، وأبا تراب النخشبى .
مات : سنة إحدى وسبعين ومائتين .
سئل حمدون . متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس « 4 » ؟
هامش
( 1 ) قال العروسى : هذه القصة تشير إلى أن العبرة بما سبق من العناية ، وإن ظهر خلاف طريق الهداية ، لتحقق فائد الرجاء والأمل ، لكل من عمل ومن لم يعمل ، وذلك بواسطة فيوضات الكرم ، من خزائن ولى النعم - ومع هذا فعلى المكلف دوام الامتثال ، وتفويض القبول لرب الأفضال ، فلا يغتر الإنسان بكثرة العبادات ، ولا يقنط بكبير المخالفات لثبوت الجهل بما علمه العليم مما قضاه بحكمه القديم ، فيلزم أن يكون عمله بين الرجاء والخوف ، ولا يضيع وقته ما بين عسى وسوف ، حيث ذلك من علامة الخذلان ، القائد إلى دركات النيران ، هذا ما تحرر في أحكام الشريعة ، والمعول عليه في أصول الحقيقة .
( 2 ) الملامتية : هم الذين يسترون صلاحهم بأمور تتداولها العوام ليست بمخالفات ولا معاص مبالغة في الخفاء عن الشهرة ؛ ويعقب الإمام العروسى على هذا المذهب بقوله : « ولكن طريق الاتباع أكمل ، واللّه سبحانه بعبادة أعلم » وقد أفرد السهروردي فصلا في عوارفه لبيان أحوالهم والحديث عنهم .
( 3 ) وفي نسخة أخرى « سالما » .
( 4 ) أي يعظمهم .
ومن كلامه : « لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه » ، « لا أحد أدون ممن يتزين إلى دار فانية ، ويتذلل إلى من لا يملك له ضرا ولا نفعا » ، « إنما كان كلام السلف أنفع من كلامنا لأنهم تكلموا لعز الإسلام ، ونجاة النفوس ، ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفوس ، وطلب الدنيا ، ورضا الخلق » ، ( إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا كفرحهم بثلاثة : مؤمن قتل مؤمنا ، ورجل يموت كافرا ، وقلب فيه خوف الفقر ) ، ( إذا استطعت أن تصبح مفوضا لا مدبرا فافعل ) ، ( من شغله طلب الدنيا عن الآخرة ؛ ذل في الدنيا والآخرة ) .
مات رحمه اللّه سنة إحدى وسبعين ومائتين ، ودفن بنيسابور ، وقد أسند الحديث عن جماعة من الأعيان ، وروى عنه آخرون .