والأثر : عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه . صحيح أنه قال :
« يا سارية الجبل » « 1 » في حال خطبته يوم الجمعة ، وتبليغ صوت عمر إلى سارية في ذلك الوقت حتى تحرز من مكامن العدو من الجبل في تلك الساعة .
فان قيل : كيف يجوز إظهار هذه الكرامات الزائدة في المعاني على معجزات الرسل ؟ وهل يجوز تفضيل الأولياء على الأنبياء عليهم السلام ؟
قيل : هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن كل من ليس بصادق في الإسلام لا تظهر عليه الكرامة . وكل نبي ظهرت كرامته على واحد من أمته فهي معدودة من جملة معجزاته ؛ إذ لو لم يكن ذلك الرسول صادقا لم تظهر على يد من تابعه الكرامة ، فأما رتبة الأولياء فلا تبلغ رتبة الأنبياء عليهم السلام للإجماع المنعقد على ذلك .
وهذا أبو يزيد البسطامي سئل عن هذه المسألة فقال :
مثل ما حصل للأنبياء عليهم السلام كمثل زق فيه عسل ترشح منه قطرة فتلك القطرة مثل ما لجميع الأولياء ، وما في الظرف مثل لنبينا صلى اللّه عليه وسلم . ( مثلا )
( فصل )
ثم هذه الكرامات قد تكون إجابة دعوة ، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظاهر ، أو حصول ماء في زمان عطش ، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة ، أو تخليصا من عدو ، أو سماع خطاب من هاتف ، أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة .
واعلم أن كثيرا من المقدورات يعلم اليوم قطعا أنه لا يجوز أن يظهر كرامة للأولياء ، وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك ، فمنها « 2 » حصول إنسان لامن أبوين ، وقلب جماد بهيمة أو حيوانا ، وأمثال هذا كثير .
( فصل )
فان قيل : فما معنى الولي ؟
قيل : يحتمل أمرين : أحدهما أن يكون فعيلا مبالغة من الفاعل ؛ كالعليم ، والقدير وغيره ، فيكون معناه : من توالت طاعاته من غير تخلل معصية .
هامش
( 1 ) أنظر السيرة النبوية لابن هشام ، وابن كثير .
( 2 ) أي من تلك المقدورات .