وكان رحمه اللّه يقول : من الفرق بين المعجزات والكرامات : أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون باظهارها « 1 » والولي يجب عليه سترها وإخفاؤها « 2 » ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يدعى ذلك « 3 » ويقطع القول به ، والولي لا يدعيها « 4 » ولا يقطع بكرامته ، لجواز أن يكون ذلك مكرا .
وقال أوحد فنه في وقته « 5 » القاضي أبو بكر الأشعري ، رضى اللّه عنه : إن المعجزات تختص بالأنبياء ، والكرامات تكون للأولياء كما تكون للأنبياء ولا تكون للأولياء معجزة ، لأن من شرط المعجزة اقتران دعوة النبوة بها ، والمعجزة لم تكن معجزة لعينها ، وإنما كانت معجزة لحصولها على أوصاف كثيرة ، فمتى اختل شرط من تلك الشرائط ، لا تكون معجزة . وأحد تلك الشرائط : دعوى النبوة ، والولي لا يدعى النبوة ، فالذي يظهر عليه لا يكون معجزة . . .
وهذا هو القول الذي نعتمده ونقول به ، بل ندين به .
فشرائط المعجزات ، كلها أو أكثرها ، توجد في الكرامة إلا هذا الشرط الواحد . والكرامة فعل لا محالة محدث ، لأن ما كان قديما لم يكن له اختصاص بأحد ، وهو ناقض للعادة ، وتحصل « 6 » في زمان التكليف « 7 » ، وتظهر على عبد تخصيصا له وتفضيلا . وقد تحصل باختياره ودعائه « 8 » ، وقد لا تحصل له وقد تكون بغير اختياره في بعض الأوقات ، ولم يؤمر الولي بدعاء الخلق إلى نفسه ولو أظهر شيئا من ذلك على من يكون أهلا له لجاز .
واختلف أهل الحق في الولي : هل يجوز أن يعلم أنه ولى ؟ أم لا ؟
فكان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه اللّه يقول : لا يجوز ذلك ؛ لأنه يسلبه الخوف ويوجب له الأمن .
هامش
( 1 ) أي إظهار المعجزات .
( 2 ) أي إخفاء الكرامات .
( 3 ) أي ما ذكر من المعجزات .
( 4 ) أي الكرامة .
( 5 ) وفي بعض النسخ « أوحد وقته في فنه » .
( 6 ) أي الكرامة .
( 7 ) أي في مدة الحياة الدنيوية .
( 8 ) أي طلبه لها .