باب الحرية
قال اللّه عز وجل :
« وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ »
« 1 » .
قال « 2 » : إنما آثروا على أنفسهم لتجردهم « 3 » عما خرجوا منه ، وآثروا به .
أخبرنا : علي بن أحمد الأهوازي ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال :
حدثنا ابن أبي قماش قال : حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال : حدثنا نعيم بن مورع بن توبة ، عن إسماعيل المكي ، عن عمرو بن دينار ، عن طاووس ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما يكفى أحدكم ما قنعت به نفسه ، وإنما يصير إلى أربعة أذرع وشبر « 4 » ، وإنما يرجع الأمر إلى آخر » « 5 » .
قال : الحرية : أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات ، ولا يجرى عليه سلطان المكونات ، وعلامة صحته : سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء ، فيتساوى عنده أخطار الأعراض « 6 » .
قال حارثة رضى اللّه عنه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عرفت نفسي عن الدنيا ؛ فاستوى عندي حجرها وذهبها .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : من دخل الدنيا وهو عنها حر ارتحل إلى الآخرة وهو عنها حر .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا محمد المراغي يحكى عن الرقى ، عن الدقاق : يقول : من كان في الدنيا حرأ منها كان في الآخرة حرأ منها .
واعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية ؛ فإذا صدقت للّه تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته .
فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتا عذار العبودية ، ويحيد بلحظه عن حد الأمر والنهى وهو مميز ، في دار التكليف ، فذلك انسلاخ من الدين .
هامش
( 1 ) آية 9 من سورة الحشر .
( 2 ) الإمام المؤلف .
( 3 ) في نسخة لتحررهم .
( 4 ) أي القبر .
( 5 ) وروى نحوه ما أخرجه الطبراني والبيهقي عن خباب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( إنما يكفى أحدكم ما كان الدنيا مثل زاد الراكب ) حديث حسن .
( 6 ) وفي نسخة « الأعواض » والمراد أن لا يفرق بين نفيس وخسيس في خاطره .