فالمريد عندهم هو المبتدئ ، والمراد : هو المنتهى ، والمريد : الذي نصب بعين التعب وألقى في مقاساة المشاق ، والمراد : الذي كفى بالأمر من غير مشقة ، فالمريد متعن ، والمراد : مرفوق به مرفه .
وسنة اللّه تعالى مع القاصدين مختلفة ؛ فأكثرهم يوفقون للمجاهدات ، ثم يصلون ، بعد مقاساة اللتيا والتي ، إلى سنى المعاني . وكثير منهم يكاشفون في الابتداء بجليل المعاني ، ويصلون إلا ما لم يصل إليه كثيرون من أصحاب الرياضات ، إلا أن أكثرهم يردون إلى المجاهدات بعد هذه الأرقاق ؛ ليستوفى منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : المريد : متحمل ، والمراد : محمول .
وسمعته يقول : كان موسى ، عليه السلام ، مريدا ، فقال :
« رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي »
« 1 » ، وكان نبينا ، صلى اللّه عليه وسلم ، مرادا ، فقال تعالى :
« أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ » .
وكذلك قال موسى عليه السلام :
« رَبِّ ، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ، قالَ : لَنْ تَرانِي »
« 2 » .
وقال لنبينا ، صلى اللّه عليه وسلم :
« أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ »
« 3 » .
وكان أبو علي يقول : إن المقصود قوله
« أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ »
وقوله
« كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ » :
سير للقصة وتحصين للحالة .
وسئل الجنيد ، رحمه اللّه ، عن المريد والمراد ، فقال :
المريد : تتولاه سياسة العلم ، والمراد : تتولاه رعاية الحق ، سبحانه ، لأن المريد يسير ، والمراد يطير ، فمتى يلحق السائر الطائر ؟
وقيل : أرسل ذو النون إلى أبى يزيد رجلا ، وقال له : قل له إلى متى النوم والراحة ، وقد جازت القافلة ؟ .
فقال أبو يزيد : قل لأخي ذي النون : الرجل من ينام الليل كله ، ثم يصبح في المنزل قبل القافلة .
فقال ذو النون : هنيئا له ؛ هذا كلام لا تبلغه أحوالنا .
هامش
( 1 ) آية 25 من سورة طه .
( 2 ) آية 113 من سورة الأعراف .
( 3 ) آية 45 من سورة الفرقان .