لقيت غلاما في التيه « 1 » ، كأنه سبيكة فضة ، فقلت : إلى أين يا غلام ؟ فقال :
إلى مكة . فقلت : بلا زاد ، ولا راحلة ، ولا نفقة . فقال لي : يا ضعيف اليقين ، الذي يقدر على حفظ السماوات والأرضين لا يقدر أن يوصلنى إلى مكة بلا علاقة « 2 » قال : فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف وهو يقول :
يا عين سحى أبدا * يا نفس موتى كمدا
ولا تحبى أحدا * إلا الجليل الصمدا
فلما رآني قال لي : يا شيخ ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين ؟ .
وسمعته يقول سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت النهرجورى يقول :
إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة ، والرخاء مصيبة .
وقال أبو بكر الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه :
يقين خبر ، ويقين دلالة ، ويقين مشاهدة .
وقال أبو تراب النخشبى : رأيت غلاما في البادية يمشى بلا زاد ، فقلت : إن لم يكن معه يقين فقد هلك . فقلت : يا غلام ، في مثل هذا الموضع بلا زاد ؟ فقال :
يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير اللّه عز وجل ؟ فقلت : الآن إذهب حيث شئت .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول : سمعت محمد ابن عيسى يقول : قال أبو سعيد الخراز : العلم ما استعملك « 3 » ، واليقين : ما حملك « 4 »
وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عثمان الآدمي يقول :
سمعت إبراهيم الخواص يقول : طلبت المعاش لأكل الحلال ! فاصطدت السمك ، فيوما وقعت في الشبكة سمكة ، فأخرجتها وطرحت الشبكة في الماء فوقعت أخرى فيها . فرميت بها ثم عدت ، فهتف بي هاتف : لم تجد معاشا إلا أن تأتى من يذكرنا فتقتلهم . . !
قال : فكسرت القصبة ، وتركت الاصطياد « 5 » .
هامش
( 1 ) التيه : الصحراء التي يتاه فيها .
( 2 ) العلاقة : ما يتبلغ به من العيش ، قال ذلك لقوة يقينه ، ولطف زبه ، وإن كانت السنة حمل الزاد في السفر ، ولا يدل حمله على ضعف اليقين مطلقا ، فان الأنبياء والأئمة حملوه في السفر . لكنهم لم يعتمدوا عليه وإنما اعتمدوا على ربهم .
( 3 ) أي ما قادك إلى العمل .
( 4 ) أي بعثك على الجد في طاعة اللّه والرضا بقضائه .
( 5 ) يقول الشيخ ذكريا الأنصاري : « ليس ذلك إنكارا للاصطياد ، ولا لطلب الحلال ، بل عادة اللّه تعالى أن يؤدب أولياءه بخواطر ينبههم بها على أنهم لا يسكنون إلى غيره تعالى ؛ فمتى علم من أحدهم سكونا إلى غيره نيهه ليرجع إليه ويعتمد عليه دون الأسباب » .