جعت مرة بالحرم عشرة أيام ، فوجدت ضعفا . . فحدثتني نفسي . . فخرجت إلى الوادي ، لعلى أجد شيئا يسكن ضعفي . . . فرأيت « سلجمة » « 1 » مطروحة . .
فأخذتها . . فوجدت في قلبي منها وحشة . . وكأن قائلا يقول لي : جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة . فرميت بها . . ودخلت المسجد فقعدت ، فإذا أنا برجل أعجمي ، جلس بين يدي ووضع « قمطرة » « 2 » ، وقال : هذه لك .
فقلت : كيف خصصتني بها ؟ . فقال : اعلم أنا كنا في البحر منذ عشر أيام . .
وأشرفت السفينة على الغرق . . فنذر كل واحد منا : إن خلصنا اللّه ، تعالى ، أن يتصدق بشئ ، ونذرت أنا : إن خلصني اللّه تعالى أن أتصدق بهذه على أول من يقع بصرى عليه من المجاورين « 3 » . وأنت أول من لقيته .
فقلت : افتحها . ففتحها ، فإذا فيها : كعك سميد « 4 » مصرى ، ولوز مقشور ، وسكر كعاب « 5 » فقبضت قبضة من ذا ، وقبضة من ذا ، وقبضة من ذا .
وقلت : رد الباقي إلى صبيانك ، هو هدية منى لكم ، وقد قبلتها « 6 » .
ثم قلت في نفسي : رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي ! !
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : كنت عند ممشاد الدينوري ، فجرى حديث الدين ، فقال :
كان على دين : فاشتغل قلبي . . فرأيت في النوم كأن قائلا يقول :
يا بخيل ، أخذت علينا هذا المقدار ، خذ ؛ عليك الأخذ ، وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالا ، ولا قصابا ، ولا غيرهم .
ويحكى عن بنان الحمال ، قال : كنت في طريق مكة حرسها اللّه . أجئ من مصر ، ومعي زاد ، فجاءتنى امرأة ، وقالت لي : يا بنان ، أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد ، وتتوهم أنه لا يرزقك . ؟ ؟ . قال : فرميت بزادى . ثم أتى على ثلاث « لم آكل » فوجدت خلخالا في الطريق . . فقلت في نفسي : أحمله حتى يجئ صاحبه ، فربما يعطيني شيئا فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة ، فقالت لي :
هامش
( 1 ) وهو النبات المعروف ب « اللفت » .
( 2 ) القمطرة ، : والقمطر ما يحفظ فيه الكتب .
( 3 ) أي المجاورين الحرم .
( 4 ) الدقيق الجيد .
( 5 ) معقود .
( 6 ) أي القمطرة بما فيها ، فاقبل هديتي للباقي .