مر أبو عمر البيكندى يوما بسكة ، فرأى قوما أرادوا إخراج شاب من المحلة ، لفساده ، وامرأة تبكى ، قيل إنها أمه ، فرحمها أبو عمرو فتشفع له إليهم وقال :
هبوه منى هذه المرة ، فان عاد إلى فساده فشأنكم فوهبوه منه ، فمضى أبو عمرو ، فلما كان بعد أيام ، اجتاز بتلك السكة ، فسمع بكاء العجوز من وراء ذلك الباب ، فقال في نفسه : لعل الشاب عاد إلى فساده ، فنفى من المحلة .
فدق عليها الباب ، وسألها عن حال الشاب ؛ فخرجت العجوز وقالت له : إنه مات ! ! . .
فسألها عن حاله ، فقالت ، لما قرب أجله ، قال : لا تخبري الجيران بموتى ، فلقد آذيتهم ، وإنهم يشمتون بي ، ولا يحضرون جنازتى ، وإذا دفنتينى ، فهذا خاتم لي مكتوب عليه « باسم اللّه » فادفنيه معي ، فإذا فرغت من دفني فتشفعى لي إلى ربي عز وجل .
قالت : ففعلت وصيته . . فلما انصرفت عن رأس قبره ، سمعت صوته يقول :
انصرفي يا أماه ؛ قدمت على رب كريم .
وقيل : أوحى اللّه تعالى ، إلى داود ، عليه السلام :
قل لهم : إني لم أخلقهم لأربح عليهم ، وإنما خلقتهم ، ليربحوا على .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول :
سمعت أبا بكر الحربي يقول : سمعت إبراهيم الأطروش يقول :
كنا قعودا ببغداد ، مع معروف الكرخي ، على الدجلة ، إذ مر بنا قوم أحداث في زورق ، يضربون بالدف ويشربون ، ويلعبون ، فقلنا لمعروف :
أما تراهم كيف يعصون اللّه تعالى مجاهرين ؟ . أدع اللّه عليهم .
فرفع يده وقال : إلهي كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة .
فقالوا : إنما سألناك أن تدعو عليهم . .
فقال : إذا فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم .
الرسالة القشيرية — صفحة 228
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٢٢٨