الدرويش لدى عبدان هما سيداك : « الحرص وطول الأمل » .
وقد روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن الفقير عز لأهله « 1 » ؛ إذن فما هو عز لأهله هو ذل لغير أهله ، وعزه في أن اللّه قد حفظ جوارح الفقير من أن يقع في الزلل ، وقلبه من الخلل ، فلا يرتكب جسده معصية أو زلة ، ولا يعتور حالة خلل وآفة .
وبذلك يصبح جسمه روحانيا وقلبه ربانيا وعندئذ تنفصم العلاقة بينه وبين البشر ، ولا يصير غنيا في هذا العالم ، حتى ولو منح ملكه ، ولا في العالم الآخر ولو منح ملكه ؛ بحيث لا يزن هذا العالم والعالم الآخر في ميزان فقره أكثر من جناح بعوضة « 2 » ، ولا يجتذبه هذان العالمان لمجرد لحظة من الزمن .
فصل : [ عن الأفضلية بين الفقر والغنى ]
اختلف الصوفية أيهما أفضل : الفقر أم الغنى ، على اعتبار أنهما صفتان من صفات الإنسان ، إذ أن الغنى الحقيقي صفة من صفات اللّه الكامل في كل صفاته ، ويرى يحيى بن معاذ الرازي وأحمد بن أبي الحوارى والحارث المحاسبي وأبو العباس بن عطاء ورويم وأبو الحسن بن سمعون أن الغنى أفضل من الفقر . ويؤيدهم من المتأخرين الشيخ أبو سعيد فضل اللّه بن أبي الخير محمد الميهنى ، فيرى أن الغنى أفضل من الفقر وحجتهم أن الغنى صفة من صفات اللّه ، بينما لا يمكن أن نعزو الفقر إليه سبحانه ؛ ولهذا فان الصفة التي يشترك فيها الإنسان مع اللّه ، أفضل من تلك التي لا تنطبق على اللّه تعالى .
وأرى أن هذا اشتراك في الاسم لا في المعنى ، وليس له وجود في الحقيقة ، إذ أن الاشتراك الحقيقي في الأسماء يقتضى وجود تشابه في المعنى ، ولكنا نرى أن الصفات الإلهية أزلية ، والصفات الإنسانية مخلوقة ، ولهذا فان برهانكم خاطئ .
وأرى - أنا علي بن عثمان ، وفقني اللّه بالخير - أن الغنى صفة يوصف
هامش
( 1 ) أخرج الطبراني مثله عن شداد بن أوس .
( 2 ) كيف يجوز ذلك والناس جميعا يعملون من أجل الفوز بالآخرة ونعيمها .