عندما أمرنا أن نصبر في الضراء جعل الصبر وسيلة لأن يقربنا لجنابه العلى ، قال تعالى
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
« 1 » وقال
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
« 2 » . فكل من يشكر على النعمة وهي في الأصل غفلة ، فإنه يزداد غفلة على غفلة ، وكل من يصبر على الفقر - وأصله بلاء - يزداد قربا على قرب .
إن العلماء الذين يفضلون الغنى على الفقر ، لا يستخدمون كلمة الغنى بمعناها العلمي ، فهم لا يعنون بها جمع النعماء ، ولكن الاتصال بالنعم ، ويقولون أن الاتحاد باللّه شيء آخر غير الغفلة عن اللّه ، وقد قال الشيخ أبو سعيد رحمه اللّه « الفقر هو الغنى باللّه ، أي هو المكاشفة الدائمة للحق » .
كان المتمتع بالمكاشفة محجوبا عن المكاشفة بصفة الغنى ، يكون إما في حاجة إلى المكاشفة ، أو في غير حاجة إليها ، فإذا لم يكن في حاجة إلى المكاشفة كان الاستنتاج سخيفا ، وإذا كان في حاجة إليها فان الحاجة لا تتفق مع الغنى ؛ ولهذا فان هذه العبارة غير مقبولة ، وعلاوة على ذلك فليس لأي شخص غنى باللّه إلا إذا كانت صفاته أبدية ومقصده ثابت غير متغير ، إذ لا يتفق الغنى مع وجود مقصد ، ولا مع الصفات البشرية ، إذ أن الصفات الأساسية للبشرية هي الحاجة والعجز ، وأن من تظل صفاته قائمة ليس بغنى ، وأن من تنمحى صفاته غير خليق بأي اسم على الإطلاق .
ولهذا فإن « الرجل الغنى هو من أغناه اللّه ، لأن كلمة « الغنى باللّه » تشير إلى الفاعل ، أما عبارة « من أغناه اللّه » فتشير إلى المفعول ، فالأول يغنى نفسه بنفسه ، أما الثاني فيغنى عن طريق من يغنيه ، وعليه فإن السعي من أجل العيش والثراء من صفات الإنسان ، أما العيش باللّه فيقتضى الغناء عن الصفات البشرية .
ولهذا فإني - علي بن عثمان الجلابي - أرى أنه ما دام قد ثبت أن الغنى
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : آية 7 .
( 2 ) سورة البقرة : آية 153 .