الباب الثاني في الفقر
أعلم أن للفقر مرتبة عالية في طريق الحق ، وأن للفقراء خطرا كبيرا ، كما قال تعالى
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
« 1 » وقال أيضا :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
« 2 » وقال :
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
« 3 » .
وقد اختار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الفقر حين قال : « اللهم أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى في زمرة المساكين » « 4 » وقال كذلك ما معناه : يقول اللّه يوم القيامة « أدنوا منى أحبائي » فتقول الملائكة « ومن أحباؤك » فيقول « فقراء المسلمين » .
والقرآن والسنة زاخران بالآيات والأحاديث المشابهة ، وهي معروفة بحيث لا يوجد داع لذكرها هنا . وكان من بين المهاجرين في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم رجال فقراء ، يجلسون في مسجده ، ويخصصون وقتهم كله لعبادة اللّه « 5 » ، معتقدين كل الاعتقاد أن اللّه تعالى سوف يقيتهم بعد أن توكلوا عليه ، وقد أمر النبي أن يجتمع بهم ويوليهم عنايته . فقال عز وجل من قائل :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
هامش
( 1 ) سورة البقرة : آية 273 .
( 2 ) سورة النحل : آية 75 .
( 3 ) سورة السجدة : آية 16 .
( 4 ) رواه الحاكم في المستدرك وصححه السيوطي - الجامع الصغير ج 1 ص 56 .
( 5 ) كانوا يسمون أهل الصفة ، وكانوا زهادا منقطعين للعبادة .