الحقيقي لا يتفق مع بقاء صفة ، إذ أن بقاء الصفات محل علة بالدلائل المذكورة ومعرضة للزوال ؛ وأقول إن الغنى لا يتفق كذلك مع القضاء على الصفة ، لأنه لا يمكن تسمية الصفة التي أصبحت غير قائمة ، وأن من قضى على ماله من صفة لا يمكن اعتباره فقيرا أو غنيا ، ولهذا فإن صفة الغنى لا يمكن تحويلها عن اللّه إلى الغير ، كما لا يمكن تحويل صفة الفقر من الإنسان إلى اللّه .
إن أكثر أئمة الصوفية يفضلون الفقر على الغنى ، ذلك لأن القرآن والسنة قد أعلنا ذلك بوضوح ، وعلى هذا اتفق معظم المسلمين ومن بين الحكايات التي قرأتها أن هذا الموضوع قد نوقش مرة بين الجنيد وابن عطاء ، وكان ابن عطاء يفضل الغنى ، ويقول أن الأغنياء سيحاسبون يوم البعث عن غناهم ، وأن مثل هذا الحساب يعنى أنهم سيستمعون إلى الكلمة الإلهية دون وسيط على صورة عتاب ، والعتاب هو ما يوجهه الحبيب لحبيبه .
فأجابه الجنيد : « إذا كان سيحاسب الأغنياء ، فإنه سيعذر الفقراء والإعذار أفضل من الحساب .
وهذه نقطة دقيقة ، ذلك أن العذر في - مرتبة الحب الحقيقي - نوع من الغيرية ، وأن العتاب يتنافى مع الاتحاد . ويعتبر المحبون كلا الشيئين نقيصة ، ذلك لأن المرء يعتذر إذا هو عصى أمر محبوبه ، ويعذر لنفس السبب ، وكلاهما مستحيل وجوده مع الحب الحقيقي ، إذ فيه لا يحتاج المحبوب إلى شرح من حبيبه ، ولا يقصر المحب في تنفيذ إرادة من يحب .
وفي الجملة فإن الفقراء مطالبون بالصبر ، والأغنياء مطالبون بالشكر .
وفي تحقيق المحبة لا يطلب محب من حبيبه شيئا ، ولا يعصى محب أمرا لمحبه . وإذا فقد ظلم من سمى ابن آدم أميرا ، وقد سماه ربه فقيرا ، فكل من اسمه من قبل الحق فقير ، فهو فقير حتى ولو كان أميرا ، وقد هلك كل من يظن أنه ليس أسيرا حتى ولو جعل مقامه عرشا وسريرا .
كشف المحجوب — صفحة 44
مساهمون: علي الهجويري
ص٤٤