والهيمان من الهيام وهو داء يأخذ الإبل فلا تروى أبدا حتى تموت من العطش . ومنه قال مجنون بنى عامر ( طويل ) :
لي الحب والداء الهيام أصابني * فإيّاك عنّي لا يكن بك ما بيا /
وله ( طويل ) : فأصبحت كالهيمان لا الماء مبرد * صداها ولا يقضى عليها هيامها
والصدى العطش .
85 ثم العشق وهو غليان الحبّ
حتّى أفاض على جوارحه الظاهرة والباطنة . وقد ذكرنا اشتقاقه فيما تقدم .
فأمّا معناه فذهاب حظه من كلّ شئ سوى معشوقه حتّى يذهل عن عشقه بمعشوقه . فإن ناديته بغير اسم معشوقه لم يفهم لغيبوبته « 1 » عن نفسه وعن غيره .
وأشار مجنون ( إلى ) هذا المعنى حيث قال شعرا ( طويل )
إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت « 2 » * روائع « 3 » قلبي من هوى متشعّب
تجنبت ليلى أن يلجّ بي الهوى * فهيهات كان الحبّ قبل التجنّب
86 فهذه غاية مقامات المحبة . وبعد هذا المقام إن زاد / فيها زيادة ، خرج عن حدّ المحب ودخل في معنى غيرها وانتقل « 4 » اسمها إلى معنى تسميّه أهل هذه القصّة وهم الصوفية سكره وغلبة وهو ذهاب عن المحبّة ، والعشق برؤية المحبوب المعشوق وذهاب عن كل شئ وضده « 5 » . فافهم ذلك لأن « 6 » في تضاعيف هذه المقامات أسامي اشتقّت من صفات تظهر على المحبين في الأوقات وتلوينات تطرأ عليهم مع الساعات عند حضورهم والغيبات إن ذكرناها طال به الكتاب . ونذكر بعد مقالتنا هذه بابا في أصل العشق والمحبّة مبدائهما .
87
و
الباب الخامس في أصل المحبة والعشق ومبدئهما :
[ الفصل الأول فيما ذكر الحكماء الأوائل من الإلهيين . قال البداقليس « 7 » ]
: إن أوّل
هامش
( 1 ) غيوبته
( 2 ) أرجعت
( 3 ) دوائع التصويبان مأخوذان عن ديوان مجنون ليلى ( ص 78 - 79 )
( 4 ) تنقل
( 5 ) صدد
( 6 ) الان
( 7 ) ابتدأ فليس انظرE . L . M . MASSIGNONص 448 .