من فرق المذاهب ومتجلّي الأديان أنكر على ما قالت [ 198 آ ] أئمّتهم في آدابهم وأخلاقهم وأحوالهم ، وأهل التّصوّف قدوتهم أهل الصّفّة الّذين نزلوا على حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكانوا أضيافه وأضياف المسلمين لا يرجعون إلى مأوى ولا إلى معلوم ، شغلهم تعلّم القرآن والفرائض والسّنن والقيام بآدابها ، بيتهم مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخزانتهم بطونهم ، ولباسهم ما وارى عوراتهم ، أوقاتهم وقف على العبادة أو تعلّم علم من علوم الدّين ، والقيام بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم متّبعين لأمره ونهيه ، وهم الّذين عاتب اللّه فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قال المشركون : « اطرد هؤلاء العبيد والرّعاع عنك لنجلس إليك » ، فأنزل اللّه تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
[ 198 ب ]
رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
( 6 : 52 ) . وفضائلهم لا تحصى ، فمن ذلك : ما روي عن ابن عبّاس ، قال : وقف رسول اللّه على أصحاب الصّفّة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم ، فقال : « أبشروا يا أصحاب الصّفّة فمن بقي من أمّتي على النّعت الّذي أنتم عليه راضيا به فإنّه من رفقائي يوم القيامة » . « 1 » وعن واثلة بن الأسقع ، قال : « كنّا معشر أهل الصّفّة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما بيننا من له ثوب يأمّ « 2 » وإنّ العرق ليأخذ في جلودنا فيكون طوقا من الوسخ والغبار » . وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سرّه أن يجلس مع اللّه فليجلس مع أهل التّصوّف » . « 3 » [ 199 آ ]
هامش
( 1 ) . وهذا هو الحديث الأوّل الذي رواه السّلمي في « كتاب الأربعين في التصوّف » ( مجموعهء آثار أبو عبد الرحمن سلمي 2 / 533 - 551 ، ص 536 ) . وفي تخريج حديث « كتاب الأربعين » استعنت بكتاب تخريج الأربعين السلمية في التصوّف للحافظ محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد السخاوي ، تحقيق علي حسن علي عبد الحميد ( بيروت : المكتب الإسلامي ، 1988 ) ص 25 ، فقال السخاوي : أخرجه الديلمي في « مسنده » من جهة المؤلف . ثمّ انظر المصادر المذكورة هناك . ورواه أيضا السيوطي في زيادة الجامع الصغير ، حرف الهمزة ، الحديث رقم 21 ، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة 4 / 92 ، الحديث رقم 1589 : ضعيف جدّا .
( 2 ) . هكذا في المخطوط . ولعلّ المعنى - يؤمّ به في الصلاة : أي تكون إماما للقوم في صلاتهم .
( 3 ) . ذكره ابن جوزي في الموضوعات 3 / 49 : وأنبأنا محمّد بن عبد الباقي ، عن ابن محمّد التميمي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، حدثّنا عبد اللّه بن أحمد بن جعفر ، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين ، حدثّنا أحمد بن عبد اللّه الجويباري ، حدثّنا مسلم بن سالم ، عن عباد بن كثير ، عن مالك بن دينار ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنّه قال : « من سرّه أن يجلس مع اللّه فليجلس مع أهل الصّوف » ، فاختلفت رواية ابن جوزي بما ورد في النص . وقال ابن جوزي : « هذا موضوع والمتّهم به الجويباري » .