وقت [ 28 آ ] إلى الفراغة . ولا يدخل أحد في بداية التصوّف وعليه بقيّة من المجاهدة والرياضة ؛ وإنّما دخوله في التصوّف بعد استفراغه الوسع في تصحيح المعاملات بالإخلاص وتقييد الأحوال ؛ كما حكي عن الجنيد رحمه اللّه أنّه قال : لن يصل إلى قلبك روح التوحيد وله عليك حقّ لم تؤدّه « - 1 » ؛ وكما سئل عمّن لم يبق من الدنيا إلّا مقدار مصّ نواة فقال : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم « - 2 » . فإذا صحّت له هذه المقدّمات على الاختصار من غير استيفاء دخل في التصوّف .
16 وللتصوّف ثلاثة « 1 » مقامات :
آداب وأخلاق وأحوال ؛ فالآداب اكتساب والأخلاق قدوة والأحوال موهبة . فمن آدابه تذليل النفس - فمن كرمت عليه نفسه هان عليه دينه « 1 » والتخلّي من الدنيا ومنع النفس عن مراداتها والتأدّب بإمام ناصح وقبول ما يشير عليه وعمارة الأوقات بما هو أولى وتعظيم حرمات المسلمين والحرص على خدمة المشايخ وترك طلب الرخص « 2 » من اختلاف العلماء والتمييز في أخذ الإرفاق ومجانبة مخالطة الأضداد وقلّة دخول الأسواق والتنزّه عن صحبة أبناء الدنيا ومخالطتهم وتأديب الأصحاب بالشفقة والتعفّف عن السؤال وحفظ اللسان عن الخنى وقصد البقاع المباركة وترك صحبة الأحداث والتباعد من إرفاق النسوان وترك الادّخار والتشبّه « 3 » بزيّ السلف وآدابهم والتعلّم من العلم مقدار ما يحتاج إليه من شرائع دينه وترك لفظة أنا ونحن وفعلنا وما يشبهه وعرض الخواطر على الكتاب والسنّة إن كان من أهلهما « 4 » وإن لم يكن رجع فيهما « 5 » إلى إمامه ؛ وما يجري مجرى هذا إنّما يطول شرحه . ومن أخلاقهم حسن الخلق والسخاء والتواضع والاحتمال ودوام الحزن وكثرة البكاء على ما سلف من ذنوبه واستقبال الأحكام بالرضا وترك الاشتهار بالصلاح وصدق النيّة في الطاعة والاستغناء عن الأكوان والافتقار إلى اللّه وقوّة القلب في الأمر بالمعروف 15
هامش
( - 1 ) راجع حقائق ورقة 200 آ س 6 ( عن أحمد بن أبي الحواري ) .
( - 2 ) راجع القشيري ص 100 س 21 ( باب الحرية ) ؛ القشيري / شرح ص 46 س 7 ؛ ابن خميس ص 137 س 6 ؛ السبكي ج 2 ص 32 س 3 .
16
( 1 ) الأصل : ثلث .
( 2 ) الأصل : الرحض .
( 3 ) الأصل : والشبه .
( 4 ) الأصل : أهله .
( 5 ) الأصل : فيه .
( 1 ) راجع عيوب النفس فقرة 30 ( عن إسماعيل بن نجيد السلمي ) والمراجع المسجلة هناك .