إذا توهّجت في السرّ عرّته وأفنته عن كلّ وارد شغلا بمحبوبه . والمحبّة تخرس المحبّ عن الإخبار عن حاله ووضعه وشكايته . والعشق غصن من أغصان المحبة ، لانّ العشق يبقى معه حال وتمييز ووصف ؛ ألا ترى انّه روى عن النّبى - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنّه قال : من عشق فعفّ فكتم [ 2 ] فأبقى فيه محلّ العفّة والكتمان . وأفنى المحبّ عن صفاته وشواهده ، بقوله - صلّى الله عليه وسلّم - « حبّك الشئ يعمى ويصمّ » [ 3 ] .
27 ثمّ الصّدق .
والصّدق يحتاج اليه في كلّ الأحوال وجميع الأفعال [ 1 ] . فكل حال وفعل عرّى عن الصّدق فهو إلى الردّ أقرب منه [
b
78 .
f
] إلى القبول . والصّادق لا يقع عليه مذمّة في حال . وكلّ حال تحول على الصادق يكون فيه محفوظا أو محمودا . والصّادق لا ينفكّ من مقام الصدق وإن عاشر أو خالط . والصّدق مقام الرجال ، قال اللّه - عزّ وجلّ - :
« رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ »
[ 2 ] الآية . والصّدق يورث الصدّيقية كما صدق أبو بكر - رضى اللّه عنه - في متابعة النّبى - صلّى اللّه عليه وسلّم - [ ف ] أورثه ذلك الصدّيقية .
هامش
( 2 ) . الجامع الصغير ، ج 2 ص 176 ؛ فيض القدير ، ج 6 ص 179 .
( 3 ) . أخرجه أحمد في مسنده ( ج 5 ص 194 وج 6 ص 450 ) وأبو داود في السنن ، كتاب الآداب ، 116 ( حديث رقم 5130 ) عن أبي الدرداء .
27
( 1 ) . قال عبد الله الأنطاكي : لا يستغنى حال من الأحوال عن الصدق والصدق مستغن عن الأحوال كلها ( الطبقات ، ص 144 ) .
( 2 ) . سورة الأحزاب ( 33 ) : 23 .
( 3 ) . لقّب الرسول ( صلعم ) أبا بكر ب « الصدّيق » لتصديقه الاسراء كما تدل عليه روايات أبى وهب وعائشة والحسن ( طبقات ابن سعد ، ج 3 ص 120 ؛ سيرة ابن هشام ، ج 2 ص 40 ؛ أسد الغابة ، ج 3 ص 310 ) وقيل لقّب بالصديق بعد ما اسلم وصدق الرسالة ( السيرة الحلبية ، ج 1 ص 273 ؛ وقارن : الإصابة ، ج 2 ص 343 ؛ صفة الصفوة ، ج 1 ص 236 ؛ التبصرة لابن الجوزي ، ج 1 ص 398 ) . وإلى مبادرته إلى تصديق الرسول ( صلعم ) يشير حسّان حيث يقول :