- وسئل أبو عمرو الصوري عن الفقر ، ومن يعطى اسمه ، فقال : إذا كانت فيه ست خصال يعامل اللّه تعالى بها ؛ فأوّلها : فقد المعلوم الذي قد ألفته النفوس ، والصبر على التفرد ، والإياس من جميع من سوى اللّه تعالى ، وكتمان السرائر حتى لا يشكو الخالق إلى المخلوقين ، وترك المسألة والتعرّض ، والعزوف عما في أيدي الناس بإظهار الغنى والتعفف .
قيل : فإن خلى واحد عن خصلة من هذه الست يعطى اسم الفقر ؟ قال : لا يستحق .
وكان ابن عيينة يقول : الصّبر على الفقر يعدل الجهاد في سبيل اللّه عزّ وجلّ .
- وسئل محمد بن منصور الطوسي أقلّ ما يلزم الفقير في فقره ما هو ؟ فقال : أربعة أشياء : علم يسوسه ، وورع يحجزه ، ويقين يحمله ، وذكر يؤنسه .
وأعطى إبراهيم النخعي ستين ألف درهم ، فأبى أن يأخذها ، وقال : ما كنت بالذي أمحو اسمى من ديوان الفقراء !
- وسئل عبد العزيز الدمشقي عن الفقير الصادق ، فقال : الفقر الصادق الذي لا تجوز همته سد فاقته ، فإن جازت همتّه سدّ فاقته لم يستحق اسم الفقر .
وعن بعضهم قال : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا ، ومن أراد الفقر لئلا يشتغل عن اللّه تعالى مات غنيا .
- وسئل يوسف بن الحسين عن الفقير الصادق ، فقال : هو من آثر وقته فإن كان في وقته تطلع إلى وقت ثان لم يستحق اسم الفقر .
- وسئل الجنيد عن حقيقة الفقر فأنشأ يقول :
لا الفقر عار ولا الغنى شرف * ولا سخاء في طاعة سرف
وقال ذو النون : أذل الناس الفقير الطامع ، والمحب لمحبوبه .
وقال معروف الكرخي : إذا أراد اللّه عزّ وجلّ بعبد خيرا استعمله وزوى عنه الخذلان ، وأسكنه بين الفقراء . وإذا أراد اللّه تعالى بعبد سوءا ، زوى عنه العمل ، وابتلاه بالخذلان ، وأسكنه بين الأغنياء فإذا نظر إليهم استعظم غناهم .
وقيل : الفقراء عيال الأغنياء في مجالس العلماء ، والأغنياء عيال الفقراء في مجالس الحكماء .
وروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الفقر أزين بالمؤمن من العذار الجيد على خد الفرس » « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير من حديث شداد بن أوس ( 3 / 436 ) .