الموحد ، تجرى عليه تعاريف حكمته ، في مجارى أحكام قدرته ، في لجلج بحار توحيد بالفناء عن نفسه ، وعن دعوة الحول والقوة ، بذهاب حسه وحركته ، بقيام الحق له فيما أراد منه ، يعنى أنه رجع إلى العبد [ في ] « 1 » أوله ، أي يكون كما كان قبل أن يكون لقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
؟
قالُوا بَلى
، إذ كان [ ذلك ] قبل أن يكون .
وهل أجابت إلا الأرواح الطاهرة المقدسة ، بإقامة القدرة النافذة ، والمشيئة السابقة ، فيكون العبد كما كان ، وأيا كان ، ولماذا كان ، وكيف كان ، وهذا غايته تحقيق حقيقة توحيد الموحد للواحد ، [ وهو ] أن يذهب كما لو لم يكن ، ويتلاشى وتنمحى أوصافه ، وتبقى أوصاف الحق كما لم يزل على معنى قوله : « صرت سمعه ، وبصره ، ويده ، ورجله ، وقلبه يسمع به ، ويبصر به ، ويأخذ به ، ويعقل به » .
الآية الثالثة
قوله جل وعلا :
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
[ التوبة : 3 ]
سئل الجنيد عن الموحد ، فقال : من لم يشرك مع اللّه أحدا في تدبيره ، وحكمته ، وعلمه ، وأمره ، وقضائه ، وخلقه ، ورزقه ، وعطائه ، ومنعه ، كما قال تعالى تهديدا لمن أشرك معه فيما له غيره ، فقال :
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
[ التوبة :
3 ] ، يقول : من أشرك مع اللّه فيما للّه غير اللّه ، فاللّه ورسوله بريئان منه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم :
« الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفاة في الليلة الظلماء » « 2 » .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن أدنى الرياء الشرك ، وإن أحب عباد اللّه إليه هم الأتقياء ، الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها آمنون » . وقال سبحانه وتعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
[ يوسف : 106 ] ، فهذا « 3 » إيمان في شرك .
وقال بعضهم في معنى الآية : وهو قول الرجل : لولا كلب فلان لأخذنا
هامش
( 1 ) في الأصل : إلى .
( 2 ) أحسن ما كتب في هذا الموضوع : » خمرة الحان ، ورنة الحان ، شرح رسالة سيدي أرسلان ، لسيدي عبد الغنى النابلسي ، طبع القاهرة .
( 3 ) في الأصل : فهذه .