الأكبر ، لا يزال يقول : بلى بلى ، ألا ترى أن الطفل في أيام ولادته إذا استنطقوه يقول : ب . ب ، يريد قوله القديم : بلى ، وفي الحديث : « نطفة المؤمن تسبح في صلب الأب ورحم الأم » .
قال : وعاتب رجل الحسن البصري على كثرة بكائه ، ودوام حزنه ، فقال : بكانى وأحزننى سبعة أحكام قضاها الرب في الغيب ، ثم أخفاها عن الخلق ، فأنا أبكى لذلك ، كلمتين ، وقبضتان ، وخطتان ، ودعوتان ، ووقفتان ، ونظرتان ، وبشارتان « 1 » .
قال : كلمتان لما [ قال ] للذر : ألست بربكم ؟ قالت طائفة : بلى ، وقالت طائفة :
بل لا ، ولست أدرى من أي الطائفتين كنت . والقبضتان حيث قبض اللّه من صلب آدم [ من ] صفحة ظهره اليمنى قبضة ، ثم فرقها في الجنة ، وقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وقبض أخرى من صفحة [ ظهره ] اليسرى ، وقال : هؤلاء في النار ولا أبالي ، فلا أرى من أي القبضتين كنت .
والخطتان حين أمر اللّه القلم أن يخط في اللوح المحفوظ سعادة السعداء ، وشقاوة الأشقياء ، فكتب القلم الأسامى والصفات ، فلا أدرى من أي الخطتين كنت .
والدعوتان حين ينادى في [ يوم ] القيامة : أين فلان ، أين فلان العاصي للرحمن ، وأين فلان ، أين فلان المطيع للرحمن ، فلا أدرى من أي الدعوتين أدعى .
والوقفتان حين يوقف طائفة داخل الحجب تحت كنف الرب جل ثناؤه ، وطائفة على رؤوس الأشهاد ، فلا أدرى في أي الوقفتين أقف . والنظرتان حين يوضع للعبد في كفتى الميزان عمله ، فلا يزال مرة ينظر إلى كفة الحسنات ، ومرة إلى كفة السيئات ، فلا أدرى أي كفتيه ترجح على الأخرى .
والبشارتان عند فراق الدنيا ، وكشف الغطا ، وهجوم ملك الموت ، لا أدرى [ هل ] أكون ممن يقال لهم : لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ، [ أو ] ممن يقال لهم يوم القيامة :
لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
[ الفرقان :
22 ] حراما محرما أن يكون لكم من البشارة ما للمؤمنين .
وسئل الجنيد عن توحيد الخاص ، فقال : التوحيد هو أن يكون العبد مسبحا عن
هامش
( 1 ) في الأصل : بالياء والنون في الفقرة كلها .