إلى اللّه في الحقيقة سوى اللّه ، إن اللّه سبحانه وتعالى دلنا بنفسه من نفسه على نفسه .
وقال بعضهم : إذا نظرت التفصيل ، أثبت الوسائط والرسل ، وإذا نظرت إلى التوحيد لم تر في الدارين مع اللّه أحدا غيره .
وقال أبو يزيد : الموحد من لا يرى غير اللّه ، ولا ينظر إلا إلى اللّه ، ولا يسمع إلا من اللّه ، ولا يفهم إلا عن اللّه ، ولا يجلس إلا مع اللّه « 1 » ، ولا ينطق إلا باللّه ، ولا يحب إلا في اللّه ، ولا يخضع إلا للّه ، ولا يشكر إلا عند اللّه ، كما قال المنفرد بحاله مع الفرد :
طاب عيش المرء إذ * صار بحكم الواحد
واحدا بواحد * لواحد مع واحد
قلبه ولسانه * وعينه للواحد
فهو لا يبصر في الد * ارين غير الواحد
وقال بعضهم في تفسير قوله تعالى :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
[ هود : 1 ] ، يقول اللّه عز وجل : « ا . ل . ر » ، يعنى أقسامى عند المحبين ، ولطفى بالمؤمنين ، ورحمتي للمذنبين ، أن هذا الكتاب هو كتاب أحكمت آياته بالتوحيد والمحبة للخواص من المقربين ، ثم فصلت آياته بالوعيد والوعد للعوام من المؤمنين .
* * *
الآية الخامسة
قوله :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
[ الذاريات : 49 ]
قيل : الزوجان من جميع الحيوان الذكر والأنثى .
وقيل : الزوجان اختلاف ألوان النبات ، وطعوم الثمار ، كالحلو والحامض ، والجيد والردىء ، ليعتبر المتفكر في الأزواج ، فيعلم أن الربوبية والوحدانية لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأزواج ، ولا تجوز العبودية والطاعة إلا للواحد الفرد ، الأحد الصمد ، وليعلم الموحد أن خالق الزوجين لا يتغير كتغير هذه الأزواج ، ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تستوحشون من ذلك ، فتقرون إلى الواحد الذي لا وحشة في قربه ، ولا مخالفة في وعده ، ولا نقض لعهده ، ولا خسران في طاعته ،
هامش
( 1 ) الجلوس مع اللّه ، يراد به لغة القوم الاشتغال بذكر اللّه وشهوده في كل عمل في الخلوة والجلوة .