المكلفين ، ومرق من الدين .
وقال يحيى بن معاذ : العالم يدعو إلى عمارة الدنيا مع العقبى ، والحكيم يدعو إلى عمارة الآخرة وخراب الدنيا ، والعارف يدعو إلى نسيان الدنيا مع العقبى .
وقال في تفسير قوله تعالى فيما يعاتب [ به ] نبيه ، ويمن عليه بما أعطاه من جليل عطائه ، فقال عز من قائل :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
[ الإسراء :
74 ] ، يعنى لولا أن ثبتناك بعلم المعرفة واليقين ، فخلصناك من التهلكة ، لقد كدت تركن إلى علوم العقل فتهلك وتضمحل .
فذلك حين خاطبه وفد ثقيف ، فقالوا : متعنا باللات والعزى سنة من غير أن تعبدهما « 1 » ، فسكت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن جوابهم ، بلا طمع في إسلامهم ، ولا خوف من ارتدادهم ، فترك استعمال علم المعرفة ، وإقامة الحق ، ومال إلى علم المعقول ، وخفي [ ت ] عليه الآفة ، فكرروا القول على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه : ويلكم ، تذكرون اللات والعزى ؟ أحرقتم قلب النبي ، أحرق اللّه قلوبكم وأكبادكم ، أسلموا كما أسلم غيركم ، وإلا فاذهبوا صاغرين ، فلا حاجة لنا في إسلامكم ، فنزل [ ت ] هذه الآية وهم جلوس : فلولا أن ثبتناك
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
[ الإسراء : 74 ] .
وقال سهل بن عبد اللّه : الناس من طبقة الفضل على مقامات ثلاثة : تقى غير عالم ولا حكيم ، وعالم تقى غير حكيم ، وحكيم عالم تقى ، وأفضل هؤلاء العالم التقى الحكيم .
وفي حديث ابن مسعود ، رضى اللّه عنه : « المتقون سادة ، والعلماء قادة ، ومجالستهم زيادة » ، يعنى أن المتقين سادة الناس ، كما قال الجليل في محكم التنزيل :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] ، والعلماء قادت [ هم ] ، يقتفون « 2 » آثارهم ، كما قال :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
[ الفرقان : 74 ] ، ففضل علماء المتقين بدرجات على المتقين غير العلماء ، وجعل العلماء أئمة للمتقين ، والمتقين أصحابا لهم ، وشهد بالمزيد بمجالستهم على مجالسة التقى الذي ليس بعالم ؛
هامش
( 1 ) في الأصل : نعبده .
( 2 ) على الهامش : يقتدون .