لعمري لئن ضيعت في شر بلدة * فلست مضيعا بينهم غررا لكلم
فإن فرج اللّه اللطيف بلطفه * وصادفت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت ودادهم * وإلا فمحزون لدى ومكتتم
فمن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ويقال : إن إبراهيم بن أدهم دخل على بعض الخلفاء ، فقال : عظني يا إبراهيم ، قال : بماذا أعظك ؟ بالعلم أم بالحكمة ؟ قال : بالحكمة ، قال إبراهيم : إن مثلك كما قال القائل :
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما لا نرقع
فقال الخليفة : أخرجوه عنى ، فجعلوا يرفعونه ، وهو يتمثل ويقول : نفسي يا نفسي إن تكلمت بالعلم والحكمة هجرك الجهال ، وإن تكلمت بالجهل والحماقة لامه العلماء ، فحصلت بين الضر والبلاء ، ثم أنشأ يقول :
اتخذ اللّه صاحبا * ودع الخلق جانبا
وتمسك بذكره * إن في ذكره الدوا
وتلذذ بحبه * إن في حبه الشفا
ثم سلم لأمره * وأرض عنه بما قضى
وقال أبو طالب المكي في كتابه : إن من إزالة الحكمة أن ينطق الحكيم بها قبل أن يسأل عنها ، وأن يجيب عن كل ما يسأل عنه .
كما قال ابن مسعود : من أجاب الناس في كل ما يسألون [ عنه ] فهو مجنون ، أي يحتاج « 1 » أن يكون الحكيم صاحب فطنة ، عليم ، يغرف لكل واحد منهم من بحره ، ويسقيه بكأسه ، ويكلمه بلسانه على مقدار فهمه وعقله ، ويزنه بميزانه ، فيظهر ما يمكن إظهاره ، ويخفى ما يحسن إخفاؤه .
وقيل لبعض العارفين : من الحكيم ؟ قال : من وضع المرهم على موضع الجرح ، ويبط « 2 » الألم ، ويشد موضع الكسر ، ولا يسقى الشربة إلا لمن نظف بطنه واحتمى ،
هامش
( 1 ) في الأصل : محتاج .
( 2 ) بططت القرحة شققتها .