وقال بعضهم : مثل الجوع كمثل السحاب ، والزهد كمثل الرعد ، والقناعة كالبرق ، والحكمة كالمطر .
وقال بعضهم : أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يدعوا هذه الأمة بدعوتين ، فقال في موضع :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
[ النحل : 125 ] ، وقال في موضع آخر :
وَادْعُ إِلى رَبِّكَ
[ الحج : 67 ] ، فإذا دعوتهم إلى ربك فادعهم بربك إلى ربك ، وإذا دعوتهم إلى سبيل ربك ، [ ف ] بالحكمة والموعظة الحسنة .
وقيل : الحكمة عند اللّه في أرضه تقوى بها أبدان المريدين للخدمة ، وتشرح بها قلوب المخلصين للفكرة ، وتظهر بها أسرار المحبين للنظرة « 1 » .
وفي الحديث : « يد اللّه على أفواه العلماء ، لا ينطقون إلا بمسهل لهم من الحق » .
وقال في حديث آخر : « لا يبكى العبد حتى يضع الرب يده على قلبه » ، فالبكاءون مرتقون في المنزلة على سائر جميع أهل المقامات ، وأرباب الأحوال ، بحديث موسى ، عليه السلام ، فيم ناجاه الر [ ب به ] : « يا موسى بن عمران ، وأما البكاءون من خشيتي ، فإن لهم الرفيع الأعلى ، لا يشاركون فيه » .
فالبكائون مع هذه المنزلة ، لا يبلغون درجات الحكماء ؛ لأن الباكي قبل البكاء كان خاليا من موضع اليد ، فلما وضع الرب جل جلاله يده على القلب ، حضر له البكاء فبكى ، فحصلت له بذلك المنزلة الكبرى ، والحكيم لم تزل يد اللّه العظيم جل جلاله على فيه ، فلما حضر وقت المنطق ، رفع الرب يده عن فيه ، فنطق بالحكمة ، فحصل له عند اللّه العلو والرفعة .
فما حصل للباكى بالوضع ، هو ما حصل للحكيم بالرفع ، فصار أعلى منزلة ؛ لأن الباكي أدنى منزلة من الحكيم ، فحصل حال الحكيم مع الباكي في هذا الفصل ، كحال العالم مع الشهيد في حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العالم وفضله :
« يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدماء الشهداء ، فيترجع مداد العلماء على دماء الشهداء » ، فأجل شئ عند الشهيد دمه ، وأقل شئ عند العالم مداده وخبره ، فتترجح أدنى حالة العالم على أعلى حالة الشهيد ، فما ظنك بأرفع حالاته عند
هامش
( 1 ) أي لتكون محلا لنظر الرحمن إليها ، إذ لا بد أن ترتفع روح المؤمن وترقى لتقرب برقتها من العالم العلوي ، فتكون محلا لنظر اللّه تعالى ورحمته .