وكان أهل الجمع يومئذ في حيرة عظيمة في شأن الرب عزّ وجل مع العباد .
ومتى كان يظهر عدله عندهم في قسمة دار الثواب ؟ !
ومتى كان يظهر قوله :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 30 ] ؟
حين قال للملائكة :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] .
فقالت الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
.
ومتى كان يظهر عذره في منعه الملائكة الجنة حين سألته ، فقالت : « نحن الملائكة المقرّبون ، ونحن الصافون ، ونحن المسبحون ، ومنّا الكرام الكاتبون ، أعطيت بني آدم الدنيا ، فاجعل لنا الآخرة ، فقال : لن أفعل ، فسألوه ثانية فأبي عليهم ، فسألوه ثالثة فقال عزّ وجل : لن أفعل ، لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له : كن فكان ؟ هم عبادي المقربون » .
ويقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا أحد أحب إليه المدح من اللّه ، ولا أحد أحب إليه العذر من اللّه ، فمن أحب أن يكون ممدوحا أحب أن يكون معذورا ؛ لئلا ينكس مدحه عند خلقه » « 1 » .
فاقتضى اللّه العباد إظهار ما في قلوبهم له بأعمال الجوارح ؛ لكي يكون شنآنه في الثواب والعقاب والتقديم والتأخير مكشوفا ، فكلّ إنما يقدم بنور عمله وسيّما جوارحه من الخير والشر .
ألا ترى أن هذه الأمة عرفت من بين الأمم بأنهم : غرّ من آثار السجود ، ومحجّلون من آثار الوضوء .
وكذلك قوله :
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
[ الفتح : 29 ] .
وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إني لأعرف أمتي يوم القيامة ، فإنهم يأتون غرّا من آثار السجود ، ومحجّلين من آثار الوضوء » « 2 » .
فإذا أمر بأحدهم إلى الدرجات العلى علم الجميع بم نال هذا .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 2 ) روى نحوه البخاري في صحيحه ، كتاب الوضوء ، حديث رقم ( 136 ) [ 1 / 63 ] وروى نحوه مسلم في صحيحه ، باب استحباب إطالة الغرة ، حديث رقم ( 249 ) [ 1 / 218 ] وروى نحوه غير هما .