ألا ترى أن ما خرج من النصف الأعلى ، والقيء إذا كان من الفمّ من النخامة والقيء والبلغم ليس بنجس ، والدم والعذرة والبول هو من مستقرّه ومحله وهو نجس بنجاسته ، فأينما خرج الدم فهو حدث ، ولا ينظر من أين خرج ؟ إنما ينظر إلى نفس الشيء من أين جرى ؟ هذا قول أهل الكوفة ، وهو أشبه عندنا وأليق ، فهذه علّة الوضوء .
ذكر علّة مواضع الوضوء
وأمّا علّة مواضع الوضوء التي أمر بغسلها فإنما هي : أطرافه ؛ فطرف منها الوجه لما فيه من الرأس ، والسمع ، والبصر ، والكلام الذي يجري بالخير والشر ، وطرف منها الجناحان ، وطرف منها وهما قدماه .
فهذه الأطراف كأنها قوالب الطاعة والمعصية ؛ وإنما أمر أن يغسل بالماء من أطرافه جانبي الطول وجانبي العرض .
فأما جانبي الطول : فالرأس والقدمان .
وأما جانبي العرض : فاليدان إلى المرفقين .
فلما لم يوصل إلى تطهير الجوف ؛ أمر أن يطهّر أطرافه وجوانبه ، ومنه اشتق اسمه .
فقيل : توضأ من التوضية .
يقال : هذا وجه وضيء ، وقد نجد مثل هذا في الخفّ والنعل يصيبهما قذر ، وقد نشر باندواته ، فأمر بغسل ما ظهر منه ، فيكون مجزيا عمّا بطن منه ، وكذلك المسح على الخفّ يجزي عن غسل القدم .
ذكر علّة الغسل من الجنابة
فأمّا الغسل من الجنابة : فإنه يجب ذلك بخروج الماء منه ، وذلك ما قد جاور سائر مياه الأعداء في ظهر آدم - صلوات اللّه وسلامه عليه - وأصابته زهومة مائهم ، فقد استقر في هذا المؤمن ، وهو قوله :
فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
[ الأنعام : 98 ] .
فإذا جرى فإنما يجري من جميع جسده ، ومن أجل ذلك يلتذ جميع جسده .
ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تحت كل شعرة جنابة » .