وقالت الملائكة بأجمعها من سماء طي رب العالمين بعلّي الأصوات : بمنّ اللّه وفضله لا بعملك ، وإذا أمر بأحدهم إلى النار قالت الملائكة بأجمعها : بذنبك ، وما اللّه بظلّام للعبيد .
فيفعل الأعمال إبراز ما في الضمائر للّه - تعالى - ، واللّه غني عن خلقه وعن أعمالهم .
ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أحب أن يعلم ما منزلته عند اللّه - سبحانه - فلينظر ما للّه عنده من المنزلة ، فإن اللّه - تعالى - ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من نفسه » « 1 » .
فهل يعرف العباد بعضهم من بعض ما في ضمائرهم للّه - تعالى - ؟ وما في قلوبهم من العلم باللّه - سبحانه ؟
والمعرفة للّه - سبحانه وتعالى - إلا بما يظهر على ألسنتهم من نشر آلائه وكرمه ومننه وأفضاله على عباده ، وبما يظهر على أخلاقهم من الإخلاص والتخليط والصفاء والكدورة ، وعلى أعمالهم من الوفاء والتضييع ، والأمانة والخيانة ، والإقبال والإدبار ، والتوجه والإعراض ، والقرب والبعد والانكماش في الجد والتراخي والكسل .
وقد قال عزّ وجل :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
[ محمد : 31 ] .
أي : نستخرج ضمائركم من يجاهد نفسه في ذاتي ، ومن يصبر على تجرّع مرارات رد الشهوات من أجلي .
وقال اللّه - تعالى - :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
[ الأنبياء : 35 ] .
فالعين حريق ، والشهوات حريق ؛ وإنما هي كجمرة موضوعة في جوف الآدمي فإذا جاءه من تدبير اللّه وقضائه ما يجب ثار حريق الشهوة قبل ترح ؛ وإنما هي جمرة واحدة تثور بوجود محبوبها ، تثور بفقد محبوبها .
فالعبد بين فرح وترح ، والمؤمن جعل فرحه شكرا ، وترحه صبرا ، إن جاءه ما يفرح به علم أنه من ربه ، فقال : الحمد للّه ، وانكمش في الطاعة ، وإن جاءه ما
هامش
( 1 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في سر العمل وعلانيته [ 4 / 79 ] .