وبطن » « 1 » .
وقيل له : « يا رسول اللّه ، إننا نجد لقراءتك لذة ما نجدها لقراءة غيرك ، قال :
لأنكم تقرؤونه لظهر ، وأنا أقرؤه لبطن » « 2 » .
معناه عندنا : إنه كان يقرأ ويطالع الحكمة ، فيلذّ المستمع لقراءته ؛ لأن تلك قراءة كسوتها نور الحكمة .
فمن عجز عن هذا فإنما قراءته در ، والكلام عابر بلا كسوة ، وكذلك من عمل أعمال البرّ بلا نور ينشرح به صدره ، فإنما هي قوالب خالية ، فمن له زق من الشراب أهديته إلى ملك ، وفي أسفله من الشراب شيء قليل ، وقد نفخت فيه نغامته ريح ، وهو في رأي العين ممتلئ فلما حلّ الوكاء بين يدي الملك ، خرجت الريح ، وبقيت الجلدة ساقطة وفي أسفلها شيء يسير ، فهكذا صفة من عمل من أعمال البرّ على غفلة ، وإنما عملها على العادة والسائد يؤذي . قال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
[ لقمان : 12 ] .
فالحكم لخاصة - اللّه - تعالى ، وإنما صاروا خاصته ؛ لأنهم جاهدوا نفوسهم في اللّه حق جهاده ، فأخلوا صدورهم من حب النفس وشهواتها فاستوجبوا الرحمة ، وأمدّوا بالنور فلما أشرق النور في صدورهم طالعوا الحكمة بعيون القلوب .
وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قذف النور في قلب عبد انفسح وانشرح قيل :
يا رسول اللّه ، هل لذلك من علامة يعرف بها ؟ قال : نعم ، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار غرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت » « 3 » .
ثم قرأ :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزمر : 22 ] قال له قائل : قد ذكرت أنه يؤثر مداني الأعمال على معاليها ، فما هذه الأثرة ؟
هامش
( 1 ) رواه عبد الرزاق في المصنف بلفظ : « عن الحسن قال لا تتوسدوا القرآن فوالذي نفسي بيده أشد تفصيا من الإبل المعلقة أو قال المعقولة إلى عطنها ، والذي نفسي بيده ما منه آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع » حديث رقم ( 5965 ) [ 3 / 358 ] ورواه غيره بألفاظ أخرى متقاربة .
( 2 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .
( 3 ) رواه بنحوه البيهقي في الزهد الكبير ، حديث رقم ( 974 ) [ 2 / 356 ] وأبو محمد الأنصاري في طبقات المحدثين ، برقم ( 76 ) [ 1 / 452 ] .