فقصدوا الأمور على حسب جواهرها ، وهم في العبادة إذا أخلصوا لا في العبودية وإن لم يخلصوا فهم في بطالة ، وسنكشف لكم عن بعض هذه العلل ، إن شاء - اللّه - تعالى .
ومع هذا يستيقن أنه لم يكن في المقادير شيء يجري على العباد إلا بحكمة ، ولم يخرج إلى العباد من وجه من الأمر والنهي إلا لحجة .
وعن الحسن قال : إن اللّه - تعالى - لم يوصل إليه دون حجبه غير ثلاثة : الرحمة عن يمينه ، وأم الكتاب عن يده الأخرى ، والحكمة بين يديه يدبر فيها أمور عباده ، ثم قرأ :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[ القصص : 68 ] .
قال تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
[ الإسراء : 30 ] .
وعن الحسن - رحمه اللّه - قال : ما أدركنا من هذه العلل من طريق الحكمة تكلمنا فيه وبيّناه تأويلا للحكمة لا حكما على اللّه في غيبه ، وما خفي علينا سلّمنا له ، والعبودة للّه منّا فيه قائمة .
وعن عيينة قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فقال : ، يا أمير المؤمنين ، ما الإيمان ؟
قال : الإيمان على أربع دعائم : على الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد .
والصبر منها على أربع شعب : على الشوق ، والتشفق ، والزهادة والترقب .
فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات .
واليقين على أربع شعب : على تبصرة الفطنة ، وتأويل الحكمة ، وموعظة العبرة وسنة الأولين .
فمن تبصّر الفطنة تأوّل الحكمة ، ومن تأوّل الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين .
والعدل على أربع شعب : على غامض الفهم ، وزهرة العلم ، وشرائع الحكم ، وروضة الحكم ، فمن فهم فسّر جميل العلم ، ومن علم عرف شرائع الحكم ، ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس محمودا .