تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥

[ رياضة النفس ]

قال له قائل : صف لنا من رياضة النفس شيئا . قال : إن النفس إذا اعتادت اللذة ، والشهوة ، والعمل بالهوى ، أقبل على فطمها عن العادة في كل شيء ، فكلما اشتدّ عليها فطم شيء فأقبل قبل ذلك الشيء حتى تعظمها عنه ، حتى يصير قلبك حرّا ، يألف مع اللّه عزّ وجل ببره ولطفه . فقد رأيت البازي كيف يلقى في البيت ، وتخاط عينه ، حتى ينقطع عن الطيران ، ويربى باللحم ، ويرفق به ، حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفا ، إذا دعاه فسمع صوته أجابه . فكذلك النفس إنما تجيب ربها عزّ وجل فيما أمرها بعد فطامها من عادات الأمور التي اشتهت ولذّت ، فإذا فطمها ألزمها الدعاء ، وثناء الرب عزّ وجل ، ومدائحه ، ونجواه ، حتى تأنس بذلك ، وتألف الذكر ، حتى ينكشف الغطاء بعد ذلك ، فيألف ربه عزّ وجل . وكذلك تجد الصبي قد ألف ثدي أمه . حتى لا يكاد يصبر عنه ساعة ، فإذا فطمته اشتد على الصبي ، وبكى ، وقلق ، فإذا دام الفطم نسيه وأقبل على الطعام ، والشراب ، فكلما وجد حلاوة الأطعمة والأشربة هجر الثدي ، وعاف ذكر اللبن . وكذلك تجد الدابة تؤخذ من الدواب السائمة ، لتؤدب وتعود الركوب ، ففي الابتداء تنفر عن اللجام ، والسرج ، فتشكل حتى تسرج وتلجم حتى تعتاد ، وتعلم السير حتى تصير أذنها إلى العنان وقلبها إلى إشارات الراكب بذلك العنان . فإذا بلغ بها القنطرة ، وثبت وثبة لا تدعها تجور ، فتعتاد ذلك ، فليس في كل مكان يوجد قنطرة ، فيعودها الوثب وسيرها في جلبة الصنّاعين ، مثل الحدادين ، والنجارين . فإذا نفرت من تلك الأصوات أو تركت سيرها أدّبها حتى لا تنفر ولا تتحيّر ، حتى تصير أديبة سيورة .