تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
ذلك ، ولا عمل على قلبه حزن ذلك ، ولا هو فرح بما أصاب ، ولا حزن على ما أتوى وذهب ، لامتلاء قلبه بفرح تلك الدنانير ، التي هي ملء بيت . فكذلك من فرح قلبه باللّه عزّ وجل ، استغنى باللّه عزّ وجل ، فلا تملك قلبه بعد ذلك أفراح الدنيا ، لأنه لا يستغني بالدنيا ، إنما غناه باللّه تعالى ؛ وهذا تأويل قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ليس الغنى عن كثرة العرض ، إنما الغنى غنى النفس » « 1 » . فالنفس إذا استغنت ، فغناها بغنى القلب المشرق نوره في صدره . فإذا اطمأنت النفس بما أشرق فيها من النور باللّه عزّ وجل ، أشرق النور فيه إلى اللّه عزّ وجل ، فقد رقّ عندها نوال الدنيا من أولها إلى آخرها ، في جنب ما عاين القلب ، وأورد من حياة على النفس . فهذا شأن النفس إذا وصلت إلى ربها عزّ وجل بوصول القلب . فإنما قلنا إنه لا يدع لنفسه قرارا على شيء من أعمال البر . فكلما فرحت النفس بشيء من الدنيا أو بالعمل من أعمال البر ، قطع عنها ذلك الفرح حتى يغمها ، حتى يطهر القلب من أفراح النفس . فهناك يرحم ، لأنه إذا وصل إلى هذه المرتبة ، بقي بلا أنس ، ولا فرح ، قد قطع نفسه أفراح الدين والدنيا ، فهو يحفظ جوارحه عن كل ما نهى اللّه عزّ وجل وعن كل شيء من الفضول . فيقيم الفرائض والسنن ، لا يزيد عليها ، كفى بهذا شغلا ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أدّ ما افترض اللّه عليك ، تكن من أعبد الناس ، واجتنب محارم اللّه عزّ وجل ، تكن أورع الناس ، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا » « 2 » . فهذا المؤمن المستكمل المستحق لاسم الإيمان عند إقامة هذه الخصال الثلاثة ، فكفى بهذا شغلا . فهذا عبد صدق اللّه عزّ وجل في العبودية . وأما سائر الناس من غير أهل هذه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 15 ، ومسلم في الزكاة حديث 120 ، والترمذي في الزهد باب 40 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 243 ، 261 ، 315 ، 390 ، 438 ، 443 ، 539 ، 540 . ( 2 ) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء 1 / 75 ، وابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث 1824 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 462 ، وابن الجوزي في العلل المتناهية 2 / 322 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 43266 .