[ 2 ]
كتب الحلّاج إلى أبي العبّاس بن عطاء من السجن : أمّا بعد فإنّي لا أدري ما أقول . إن ذكرت برّكم لم أنته إلى كنهه ، وإن ذكرت جفاءكم لم أبلغ الحقيقة .
بدت لنا باديات قربكم فأحرقتنا وأذهلتنا عن وجود حبّكم . ثم عطف وألف مما ضيّع وأتلف ، ومنع عن وجود طعم التلف . وكأني وقد تخرّقت الأنوار وتهتّكت الأستار ، وظهر ما بطن ، وبطن ما ظهر ، وليس لي من خبر ، ومن لم يزل كما لم يزل .
وختم الكتاب وعنون بقوله : [ من مجزوء الكامل ]
همّي به وله عليكا * يا من إشارتنا إليكا
روحان ضمّهما الهوى * فيما يليك وفي يديكا
[ 3 ]
كتب الحلّاج إلى أبي العبّاس بن عطاء : أطال اللّه لي حياتك وأعدمني وفاتك ، على أحسن ما جرى به قدر ، ونطق به خبر . مع ما إن لك في قلبي من لواعج أسرار محبّتك ، وأفانين ذخائر مودّتك ، ما لا يترجمه كتاب ، ولا يحصيه حساب ، ولا يفنيه عتاب . وفي ذلك أقول : [ من الطويل ]
كتبت ولم أكتب إليك وربما * كتبت إلى روحي بغير كتاب
وذلك أنّ الرّوح لا فرق بينها * وبين محبّيها بفصل خطاب
وكلّ كتاب صادر منك وارد * إليك بلا ردّ الجواب ، جوابي
[ 4 ]
حدّثني أبو عليّ الفارسي قال : رأيت الحلّاج واقفا على حلقة أبي بكر الشبليّ . . . . أنت باللّه ستفسد خشبة . فنفض كمّه في وجهه وأنشد : [ من مخلع البسيط ]
يا سرّ سرّ ، يدقّ حتّى * يخفى على وهم كلّ حيّ
وظاهرا باطنا تجلّى * لكلّ شيء بكلّ شيّ
يا جملة الكلّ ، لست غيري * فما اعتذاري - إذن - إليّ