ألا يا دار لا يدخلك حزن * ولا يعبث بساكنك الزمان
فنعم الدار أنت لكلّ ضيف * إذا ما الضّيف أعوزه المكان
قال : ثم مررت بها بعد مدة فإذا الباب مسودّ ، والجمع مبدّد ، وقد ظهر عليها كآبة الذل والهوان ، وأنشد لسان الحال :
ذهبت محاسنها وبان هجونها * والدّهر لا يبقي مكانا سالما
فاستبدلت من أنسها بتوحش * ومن السرور به عزاء راغما
قال : فسألت عن خبرها ، فقيل لي : مات صاحبها ، فآل أمرها إلى ما ترى ، فقرعت الباب الذي كان لا يقرع ، فكلمتني جارية بكلام ضعيف ، فقلت لها : يا جارية ، أين بهجة هذا المكان ، وأين أنواره ، وأين شموسه وأقماره ، وأين قصّاده ، وأين زوّاره ؟ فبكت ، ثم قالت : يا شيخ ، كانوا فيه على سبيل العارية ، ثم نقلتهم الأقدار إلى دار القرار ، وهذه عادة الدنيا ، ترحّل من سكن فيها وتسيء إلى من أحسن إليها . فقلت لها : يا جارية ، مررت بها في بعض الأعوام وفي هذا الروشن جارية تغني ، ( ألا يا دار لا يدخلك حزن ) ، فبكت وقالت : أنا واللّه تلك الجارية ، ولم يبق من أهل هذه الدار غيري ، فالويل لمن غرّته دنياه .
فقلت لها : فكيف قرّبك القرار في هذا الموضع الخراب ؟ فقالت لي : ما أعظم جفاك ، أما كان هذا منزل الأحباب ، ثم أنشأت :
قالوا ألفت وقوفا في منازلهم * ونفس مثلك لا يفتي تحملها
فقلت والقلب قد ضجت أضالعه * والروح تنزع والأشواق تبذلها
منازل الحب في قلبي معظمة * وإن خلا من نعيم الوصل منزلها
فكيف أتركها والقلب يتبعها * حبّا لمن كان قبل اليوم ينزلها
قال : فتركتها ومضيت وقد وقع شعرها من قلبي موقعا ، وازداد قلبي تولّعا « 1 » .
سئل الجنيد عن قوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ الأنعام : 76 ] ؟ قال : لا أحب من يغيب عن عيناي وعن قلبي ، وفي هذا دلالة أني إنما أحب من يدوم لي النظر إليه والعلم به
هامش
( 1 ) انظر : روض الرياحين ( ص 153 ) .