قال الجنيد : من حسنت رعايته دامت ولايته « 1 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : لقد كنت أرى أقواما تجزيني منهم النظرة ، فهي زادي من الجمعة إلى الجمعة « 2 » .
قال الجنيد : لا يرتقي في الدرجات من لم يحكم فيما بينه وبين اللّه أول البداية ، وهي الفروض الواجبة ، ثم الأوراد الزاكية ، ومطايا الفضل ، وعزائم الأمر ، فمن أحكمها منّ اللّه عليه بما بعده « 3 » .
وقال الجنيد : هم قوم شموا روح ما دعاهم إليه ، فأرسلوا إلى قطع العلائق الشاغلة عنه ، وهجموا بالنفوس على معانقة الجدّ ، وتجرّعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا اللّه تعالى في المعاملة ، فأحسنوا الأدب فيما توجّهوا إليه ، وهانت عليهم المصائب في كل ما يلقون لديه ، وعرفوا قدر ما يطلبون ، فسجنوا نفوسهم وهممهم عن الالتفات إلى مذكور سوى وليهم ، فحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزال « 4 » .
وقال قدّس سرّه : إن للّه عبادا صحبوا الدنيا بأبدانهم ، وفارقوها بعقود إيمانهم ، أشرف بهم علم اليقين على ما هم إليه صائرون ، وفيه مقيمون ، وإليه راجعون ، فهربوا من مطالبة نفوسهم الأمّارة بالسوء ، والداعية إلى المهالك ، والمعينة للأعداء ، والمتّبعة للهوى ، والمغموسة في البلاء ، والمتمكنة بأكناف الأسواء ، إلى قبول داعي التنزيل المحكم الذي لا يحتمل التأويل ؛ إذ سمعوه يقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
[ الأنفال : 24 ] ، فقرع أسماع فهومهم حلاوة الدعوة لتصفّح التمييز ، وتنسّموا بروح ما أدّته إليهم الفهوم الطاهرة من أدناس خفايا محبة البقاء في دار الغرور ، فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب المراقبين معها ، وهجموا بالنفوس على معانقة الأعمال ، وتجرّعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا اللّه في معاملته ، وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه ، وهانت عليهم المصائب ، وعرفوا قدر ما يطلبون ، واغتنموا سلامة الأوقات وسلامة الجوارح ، وأماتوا شهوات النفوس ، وسجنوا همومهم عن التلفّت إلى مذكور سوى وليّهم ،
هامش
( 1 ) انظر : العوارف ( ص 278 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 334 ) .
( 3 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 578 ) .
( 4 ) انظر : المنهاج الواضح في كرامات أبي محمد صالح ( ص 83 ) بتحقيقنا .