سئل الجنيد من الكريم ؟ فقال : الكريم من لا يحوجك إلى وسيلة « 1 » .
قال الجنيد : إن بدت عين من الكرم ألحقت المسئ بالمحسن . قال أبو العباس بن عطاء : متى تبدو ؟ فقال له الجنيد : هي بادية ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في حديث قدسيّ :
« سبقت رحمتي غضبي « 2 » » « 3 » .
وقد اختلف العلماء في شخصين : سئل أحدهما شيئا من بذل ماله في سبيل اللّه ، فأبت نفسه عليه ، فجاهدها ، وأخرج ماله ، وسئل الآخر بذل ماله ، فبذله مع السؤال طوعا من غير منازعة النفس ولا مجاهدة منه ، أيهما أفضل ؟ قال قوم : الذي سمحت نفسه بالبذل طوعا من غير إكراه ولا اعتراض أفضل ؛ لأن مقام هذا في سخاوة النفس ، والتحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من الإكراه والمجاهدة ، ومن بذل ماله على ذلك ، ولأن الأول وإن غلب نفسه في هذه الكرة لا يأمن غلبتها في كرة ثانية أو ثالثة ؛ إذ ليس السخاء من مقامها ؛ لأنها كانت محمولة عليه « 4 » .
وقال : كان معي أربعة دراهم ، فدخلت على السريّ ، وقلت له : أربعة دراهم جعلتها لك . فقال لي : أبشر يا غلام إنك تفلح ، كنت أحتاج إلى أربعة دراهم ، فقلت : اللّهمّ ابعثها على يدي من يفلح عندك « 5 » .
باب الغيرة
يقول الجنيد قدّس اللّه سرّه : لو قال لي اللّه : انظر إليّ ، أقول : لا أرى ؛ لأن العين في المحبة غير وغريب ، وغيرة الغيرية تمنعني من الرؤية ؛ لأني كنت آراه في الدنيا بغير واسطة العين ، فكيف أتخذ واسطة في العقبى ؟ « 6 » .
هامش
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 302 ) ، والإيقاظ ( 2 / 39 ) وعنده : لا يحوج إلى سؤال .
( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2700 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 257 ) ، والنسائي في الكبرى ( 4 / 417 ) ، وابن ماجة ( 1 / 67 ) .
( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 263 ) ، والكواكب ( 1 / 152 ) .
( 4 ) وإلى ذلك ذهب الجنيد وانظر : قوت القلوب ( 1 / 372 ) .
( 5 ) أورده القشيري في الرسالة ( 2 / 700 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 10 / 270 ) ، وابن الأطعاني في روضة الحبور ( ص 113 ) .
( 6 ) انظر : كشف المحجوب للهجويري ( ص 577 ) .