قال الجنيد : كان الشافعي قدّس اللّه سرّه من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدنيا ، وعظ أخا له في اللّه وخوّفه باللّه ، فقال : يا أخي ، إن الدنيا دحض مزلة ودار مذلة ، عمرانها إلى الخراب صائر ، وساكنها إلى القبور زائر ، شملها على الفرقة موقوف ، وغناها إلى الفقر مصروف ، الإكثار فيها إعسار ، والإعسار فيها يسار ، فافزع إلى اللّه ، وارض برزق اللّه ، لا تتسلف من دار بقائك إلى دار فنائك ؛ فإن عيشك فيء زائل وجدار مائل ، أكثر من عملك ، واقصر من أملك « 1 » .
اجتاز أبو العباس بن سريج الفقيه بمجلس الجنيد ، فسمع كلامه ، فقيل له : ما تقول في هذا الكلام ؟ فقال : لا أدري ما يقول ، ولكني أرى لهذا الكلام صولة ليست بصولة مبطل « 2 » .
عن أبي العباس بن سريج : أنه تكلم يوما فعجبوا ، فقال : ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد « 3 » .
قال الجنيد : أعطي أهل بغداد الشطح والعبارة ، وأهل خراسان القلب والسخاء ، وأهل البصرة الزهد والقناعة ، وأهل الشام الحلم والسلامة ، وأهل الحجاز الصبر والإنابة « 4 » .
قال سريّ السقطيّ : صليت وردي ليلة من الليالي ، ومددت رجلي في المحراب ، فنوديت : يا سريّ ، هكذا تجالس الملوك ، فضممت رجلي ، ثم قلت : وعزّتك ما مددت رجلي أبدا . وقال الجنيد : فبقي ستين سنة ما مدّ رجله ليلا ولا نهارا « 5 » .
لما حضرت سريّا السقطيّ الوفاة قال له الجنيد : يا سريّ ، لا يرون بعدك مثلك . قال :
ولا أخلف عليهم بعدي مثلك « 6 » .
قال الجنيد : منذ مات النوريّ لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 3 / 210 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 733 ) .
( 3 ) السير للذهبي ( 14 / 67 ) .
( 4 ) انظر : السير للذهبي ( 14 / 69 ) .
( 5 ) انظر : العوارف ( ص 166 ) .
( 6 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 246 ) .
( 7 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 112 ) ، والمعزى في مناقب أبي يعزى ( ص 13 ) بتحقيقنا تحت قيد الطبع .