يكون راغبا في الجاه ليس لذاته ولكن لقضاء حاجات البسطاء من المسلمين ، قال تعالى :
. . ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
[ التوبة : 91 ، 92 ] فقد بشرهم اللّه بأنهم محسنون لأنه ضمنهم إلى المحسنين في الوصف ، وعطفهم عليهم في المعنى .
وهذا الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى يقول متمنّيا الثروة لإنفاقها على المحتاجين :
يا لهف نفسي على مال أفرّقه * على المقلّين من أهّل المروآت
إنّ اعتذارى إلى من جاء يسألني * ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
* ومن قبل الإمام الشافعي نرى الصحابىّ الجليل سعد بن عبادة رضى اللّه تعالى عنه يدعو ربه :
« اللهمّ هب لي حمدا وهب لي مجدا ، لا مجد إلا بفعال ، ولا فعال إلا بمال ، اللهمّ إنه لا يصلحنى القليل ولا أصلح عليه » .
وكان أهل الصّفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالرجل ، والرجل بالرجلين ، والرجل بالخمسة ، فأما سعد بن عبادة فكان ينطلق بثمانين كل ليلة ، يقدم لهم العشاء .
وكلمة في هذا الأمر للحسن البصري رحمه اللّه ؛ جاءه رجل وقال له : فلان لا يعظ الناس ويقول أخاف أن أقول ما لا أفعل ، فقال الحسن : وأيّنا يفعل ما يقول ؟ ! ودّ الشيطان لو ظفر بهذا ، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر .
وأخرى للإمام علىّ رضى اللّه تعالى عنه : « إنما يعرف الرّجال بالحقّ ، ولا يعرف الحقّ بالرّجال » .
* * * 302 - « الدّنيا بحر التّلف ، والنّجاة منها الزّهد فيها » [ الحلية : 10 / 56 ]
* نسوق في معنى هذه العبارة قصّة طالوت وجنود بني إسرائيل في قتالهم للوثنيين بقيادة جالوت ، فقد دعا بنو إسرائيل ربهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون أعداءهم الوثنيين تحت إمرته ، فبعث لهم طالوت ملكا ، وأكّد لهم نبيهم :
إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ
[ البقرة : 248 ] وتمت الآية وخرج معه للقتال ثمانون ألف رجل كما ذكرهم السّدّىّ . . . وفي الطريق اختبر طالوت صدق جنوده وصلابتهم فقال لهم :
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
أي كرعوا منه إلا قليلا منهم ، ورجع الذين كرعوا قائلين :
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
ولم يبق معه إلا 313 رجلا منهم داود ( نبي