الذي يعدّ الأيام والليالي ليوم خلاصه ، لا يطيب له فيها عيش ، ولا يهنأ له فيها بال ، ويصير جسده أمام الدنيا كأنه قلعة حصينة علت أسوارها وسهر حرّاسها ، لا يفتح لها باب أمام شهواتها ، أما من كانت الدنيا همّه ، ومنتهى أمله ، كان جسده لها سرحا مباحا ، تعبث بغرائزه وتلهو بأهوائه .
وروى أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » .
ذكر المناوي في فيض القدير له ( 3 / 546 ) قال : ذكروا أن الحافظ ابن حجر لما كان قاضى القضاة مرّ يوما بالسّوق في موكب عظيم ، وهيئة جميلة فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحارّ وأثوابه ملطّخة بالزّيت وهو في غاية الرّثاثة والشّناعة ، وقبض على لجام بغلته ، وقال : يا شيخ الإسلام تزعم أن نبيكم قال : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » ، فأي سجن أنت فيه ، وأي جنة أنا فيها ؟ فقال : أنا بالنسبة لما أعدّه اللّه لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في سجن ، وأنت بالنسبة لما أعدّ لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنّة ، فأسلم الرّجل .
* * * 294 - « قد دعاك إلى دار السلام ، فانظر من أين تجيبه ؟ من الدنيا ؟ أم من قبرك ؟ إنك إن أجبته من دنياك وصلتها ، وإن أجبته من قبرك منعتها » [ الحلية : 10 / 60 ] .
* قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
[ الأنفال :
24 ] وقال تعالى :
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ
[ الشورى : 47 ] . . والقبر أوّل منازل الآخرة ، فالتكليف ينتهى بالموت ، ويبدأ الحساب من القبر . . وقال تعالى :
وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
[ القصص : 77 ] ، أي أيامك التي قدر لك أن تعيشها استثمرها في طاعة سيّدك ، فإن فعلت ذلك فقد سعدت في الدنيا وامتدت هذه السّعادة موصولة بسعادة الآخرة ، وإن لم تجب داعى اللّه لما يحييك منعت دار السلام ولم تصلها .
* * * 295 - « الدّنيا سمّ اللّه القتّال لعباده ، فخذوا منها حسب ما يؤخذ السّمّ في الأدوية لعلكم تسلمون » [ الحلية : 10 / 60 ] .
* تدخل في صناعة بعض الأدوية أنواع من السّموم بقدر معلوم ، لو زادت عنه كان فيها الهلاك المحتوم ، وهكذا الحال في تناول شؤون الدنيا ، يجب أن يكون باعتدال فلا تفريط ولا إفراط . . فمثلا الجوع خطره كالتّخمة ، وقد دعانا اللّه إلى الاعتدال ، قال تعالى :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا