تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
الشخصية ، ومن ثم فهما علة الاضطراب الفكري والشغب الاجتماعي بين الناس جميعا . وما دام الإنسان واسطة العقد الكوني متوسطا بين العلو والسفل ، بين البهيمة والملك ، بين المادة والروح ، كانت الشرائع السماوية تهيب به دائما أن يكون على خط الوسط في كل الأمور ، على اختلاف بينها في التدرج ، وكان الوسط هو التكامل النفسي والسكينة اللذان هما صمام الأمان من الانحراف . وقد اختلفت منازع المصلحين في جذب الإنسان إلى الوسط حتى طالعنا علم النفس الحديث بمصطلحاته ومناهجه ، فضلل البصير وأعيا السالك . مرة بحجة المنهج ، ومرة بالمصطلحات التي زخرت بها كتب الإصلاح النفسي وإلى جانبها تراجمها بلغات الغرب ، حتى عدت هي الأخرى بهذه الطريقة لونا من الانحراف النفسي في حاجة إلى العلاج . كما كان المنهج الذي يربط الفكر إلى خط لا يحيد عنه كذلك لونا من الانحراف في حاجة إلى علاج . والمحاسبي كغيره من الصوفية العلماء يرفع شعاره المقدس ويحوم حول تقريره بكل الوسائل وهذا الشعور هو « أن الإنسان يجب أن يكون ابن وقته أولا » وليس معنى هذا أنه يدعو إلى أن يكون الإنسان فردا من أفراد السوائم التي لا تعنى بشيء مما حولها ، ولكنه يهيب به ألا يأسى على الماضي ولا يقلق من المستقبل ولا يبالغ في الفرح بما في يده . فالأسى والقلق والفرح الشديد ألد أعداء الصوفي الحق ، والتخلص منها كسب لا يدانيه كسب في سبيل خلق اتزان نفسي واتزان بشري عام . فإن ظفر الصوفي بتلك الأمنية العذبة حق له أن يعمل كما يعمل الناس وفي الوقت نفسه لا كما يعمل الناس . إنه يعمل على هذه الجادة ولا هدف له غير ترقية النوع الإنساني ، والسلوك به مسلك الإنسان الذي يستحق بحق تكريم اللّه ، لا مسلك الإنسان البغيض إلى ربه والذي استحق بحق أن يكون مسخا من القردة والخنازير والأنعام بل هو أضل سبيلا .