تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
لونا من التسليم كالتسليم للصحابة ، بل هم بشر ، وهم رجال ونحن رجال . 4 - ولقد كانت له فلسفته الخاصة في خلوته واختفائه عن الخلق ، لأن الخلوة نفسها قد تكون من آفات النفوس الخطرة ، كما يكون التواضع كبرا والزهد طلبا للتكاثر ، والتوكل سببا . فالرجل يخلو ليقال إنه من أهل الخلوة ، ويتواضع ليتواضع له الناس ، ويزهد لتساق إليه الأموال ليضعها في مستحقيها . ولكنها خلوة المحاسبي : لأنها سبيل الأنس باللّه ، ولا علامة للأنس باللّه غير التوحش من الخلق ، ولا علامة للتوحش من الخلق غير الفرار إلى الخلوات ، والتفرد بعذوبة الذكر ، وعلى قدر ما يدخل القلب من الأنس باللّه يخرج التوحش . والأنس باللّه إذا استشرف عليه إنسان ، فليس له في الخلق مأرب ، ولا أمل له في ثنائهم ، ولا نفرة منه في ذمهم . إنه يعيش في واديه المقدس لا يزعجه من الدنيا شيء ، راعيا للحيارى وإماما للمتقين ، ووارثا فردا في زمانه كله . لم يجرحه الإمام ابن حنبل صراحة ، بل شهد له بالعلم في الحقائق ، وأفرده عن علماء زمانه في براعته في هذا الباب من العلم ، ولكنه نصح أصحابه بعدم صحبته . ومهما كان تأويل رأي الإمام ابن حنبل ، وأنه نصح أصحابه بعدم صحبته لقصورهم عن سلوك طريقه وفهم مراميه ، فإننا نقف طويلا عند تلك القصة التي أوردها الخطيب البغدادي في « تاريخ بغداد » . روى إسماعيل بن إسحاق السراج قال : قال أحمد بن حنبل يوما : يبلغني أن الحارث المحاسبي يكثر الكون عندك ، فلو أحضرته منزلك ، وأجلستني من حيث لا يراني ، فأسمع كلامه . فقلت : السمع والطاعة يا أبا عبد اللّه . وسرني هذا الابتداء . فقصدت الحارث . وسألته أن يحضرنا تلك الليلة . فقلت : وتسأل أصحابك أن يحضروا معك . فقال : يا إسماعيل ،
الوصايا — صفحة 45 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا