نظر الناس إلى ظاهرها ، وإلى آجل الدنيا ، حين نظر الناس إلى عاجلها ، وأماتوا ما يخشون أن يميتهم ، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ، فصار استكثارهم منها استقلالا ، وطلبهم لما أدركوا منها قوتا ، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا ، فما عارضهم من نائلها رفضوه ، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه ، وخلقت « 4 » الدنيا عندهم فليس يحيونها ، فيبنون بها آخرتهم ، ويبيعون دنياهم ، فيشترون بها ما يبقى لهم .
رفضوها فكانوا برفضها هم الفرحين ، ونظروا إلى أهلها غرقى قد حلت بهم المثلات ، فأحيوا ذكر الموت ، وأماتوا ذكر الحياة الدنيا ، يحبون اللّه عز وجل ، ويحبون ذكره ، ويستضيئون بنوره .
لهم خبر عجيب ، وعندهم أعجب الخبر ، بهم قام الكتاب وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا ، وبهم علم الكتاب وبه علموا ، ليس يرون نائلا مع ما نالوا ، ولا أمانا دون ما يرتجون ، ولا خوفا دون ما يحذرون .
* * *
هامش
( 4 ) خلقت : بليت .