مسألة ( 9 ) في الزهد في الناس ، وحب المنزلة والرئاسة والشرف وبيان تفاوت الناس في الزهد
قلت : إذا استوطنت المعرفة قلوب العارفين بترك الدنيا ، هل يحتاجون إلى أن يزهدوا في غيرها ؟
قال : نعم ، الزهد في الناس والمنزلة والرئاسة ، وفي إقامة الجاه والشرف ، واختيار « 1 » التواضع ، والفرار من حب الدنيا ، ولزوم قصر الأمل ، وملاك هذا الأمر : الخمول « 2 » ، وتلبيس الظاهر « 3 » ، واظهار أخلاق التوسط في الإيمان ، والدخول في جملة العامة ، ليستر مذهبه ، ويخفي زهده ، ويخفي أنه ممن يخفي زهده .
فعندها يتبرم بالدنيا والحياة ، وتضيق عليه الدنيا ، يختار الوحدة ، ويتوحش من معاشرة البطالين ، ويأنس بروح موافقة الزاهدين « 4 » .
قلت : كيف يتفاوت الناس في الزهد ؟
هامش
( 1 ) في أ ( ويختار ) .
( 2 ) الخمول هو : العمل في خفاء . ودون رغبة في الشهرة ما دام المقصود بالعمل هو اللّه ، وليس المراد به الكسل ، بل المراد : خمول الذكر مع بذل المجهود في العمل واتقانه .
( 3 ) تلبس الظاهر هو : الظهور بمظهر غير الزهاد لاخفاء الزهد ، كما كان عليه علي زين العابدين بن الحسين رضي اللّه عنهما . ومنه أخذ الملامتية مذهبهم . ولا يجوز أن يلبس الإنسان ظاهره بمحرم كما يفعل جهال المتصوفة .
( 4 ) وانظر ( الوصايا الباب الثامن ) وفيها يقول : ( عاشروا من الناس رجلين : أحدهما يعين على البر والتقوي ، والآخر يعين على شئونك من الدنيا ، فإن جمع اللّه المعونة على الدين والدنيا في رجل واحد فتمسك به ، وجانب من سواه ) .