تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ومنهم متداه « 1 » في نفسه ، مدع للعلم والفطنة بمكائد الشيطان ، فيظهر كثيرا من أعمال بره ، وعلمه ، للاقتداء « 2 » [ به ] « 3 » ، ليكون له مثل أجور القابلين منه ، فنصب لذلك نفسه ، وسهر ليله ونهاره ، واشتد عليه حرصه ، وهو به مسرور ، نفسه تمنيه أن الذي هو فيه من أعلى الأعمال عند ربه ، وأنه مأجور على حرصه ، وسروره باجتماع الناس إليه للمنافع التي أنالهم اللّه على يديه بزعمه فيما يرى ، فلا يشك أنه كذلك في مبلغ علمه ، وإنه ناظر لنفسه بزعمه ، يرى الفضل بإظهار ما أحسن من قوله وفعله ، يؤمل العزم في أمره ، ويطمع في دفع الفتنة عن نفسه ، وينفي الآفات عن علمه ، يرتجي الصدق والإخلاص في أحواله ، وعساه كالذي بلغنا أن الشيطان يقول : « من زعم من ولد آدم أنه بعلمه امتنع مني ، فبجهله وقع في حبائلي » . فالجهل أولى به إذا ادعى النفاذ في علمه ، والقوة في عقله وفعله ، يتصنع فيما أظهر من القول والعمل ، كيما يؤكد به أمره ، ويصوب به فعله ، ويتباهى « 4 » في الآفاق لمنافع الناس بزعمه ، فيقتبس ذلك عنه ، ويعلو به ذكره ، وكذلك أمنيته وما يشعر . وعساه كبعض المغتربين من قبله ، فإنه بلغنا أن حكيما من الحكماء ، قرأ ثلاثمائة وستين مصحفا « 5 » ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبي زمانه ، قل له : إنك ملأت الأرض نفاقا ، وإن اللّه لم يقبل من نفاقك شيئا . وعساه يحتمل النصب والتعب لإظهار علمه ، وإصراف وجوه الناس إليه ، لا يعدل به شيئا ولا يؤثر عليه برا .
هامش
( 1 ) أي : يصطنع الدهاء في نفسه والخبرة بالنفوس دون علمه . ( 2 ) في الأصل : والاقتداء . ( 3 ) ما بين المعقوفتين : سقطت من الأصول . ( 4 ) في الأصل : ويتباه . تحريف . ( 5 ) روى أبو طالب المكي هذا الخبر في كتابه « علم القلوب » على أنه قرأ ثلاثمائة وستين كتابا وأن الرجل من علماء بني إسرائيل ، ونقل المحاسبي غريب . ( راجع باب الفرق بين العالم والعليم من كتاب « علم القلوب » للزيادة من تفاصيل أنواع العلماء .
الوصايا — صفحة 206 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا