وقد ضربت الحكماء مثلا للمتكبرين والمتواضعين ، فقالت : مثل المتواضع مثل الحبة التي أنبتت سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة ، لما أراد منبتها نماها ، وأحسن غذاءها ، ورفع ذكرها ونماها ، فلم يمنعها سنبلها من صغرها ، وخمول ذكرها ، لما ثبت أصلها ، ونما فرعها ، إلى أن علت الآكام « 1 » ، وصارت للخلق طعاما ، للحاجة إليها ، وكذلك المتواضع . إذا صغر عنده الجاهل فقد حلّ محلّ العز ، إذ كان للّه ذل وعظّم ، واحتاج الناس إليه ، فحلوله بالاستكانة للّه عز ، إذ كان للّه المبجّل .
فقوله عند العلماء مسموع ، وفعله متبوع ، رفعه اللّه إذ تواضع له ، وألبسه من العز رداء ظهر عليه عزه ، وشرح للبر قلبه ، وذكي بالتواضع لبه ، فزالت عنه بلية غلطه ، وورث بالتواضع حسن اعتقاده للشكر .
فالناس منه في راحة ، وقد أحلّ نفسه بالدعة ، فصار إلى روح التواضع ، وهو الإنصاف لكل منازع .
فالتواضع ضربان :
أحدهما : الإنصاف لكل أحد ، وذلك أن تجعل الأشياء بينك وبين الناس نصفين ، فلا تجمع ما مثلك يجمع ولا تحلّ بمثل ما مثلك إذا حلّ قد يخرج .
والضرب الآخر : الإيثار على نفسك ، فتبذل ولا تسأل ، وتجود بما قل أو كثر .
وضرب للمتكبر مثلا ، مثل شجرة الدفلاء « 2 » ، كان مغرسها على الساقية العظيمة ، قد غذيت من الماء البارد ، فلم يمنعها طيب مغرسها ، وكرم غذائها لما قامت على ساق ، أن خبث منها المذاق ، وذلك حين انتهت زهرتها ، فبان نورها ، فثمرتها تستحسن لجمالها ، فتناول من ثمرتها ، فلما خبرها عرف أنها غرور ، ثمرها مر علقم « 3 » ، وإن من اغتر بها لم يسلم ، ولا خير في جوارها إذ نوارها لا يشم ، ولا ثمرها يطعم .
وكذلك المتكبر ، الذي طاب أكله ، وكرم مغرسه ، فنظر إلى نفسه ، فضيع حسن التدبير ونسي ما إليه يصير .
هامش
( 1 ) الآكام : ( جج ) الأكمة : الرابية أو التل ( ج ) أكم ، وأكمات .
( 2 ) الدّفل والدّفلى : جنس شجيرات برية وتزيينية من الفصيلة الدفلية . تنمو برية وفي المشاتل والحدائق ، وهي من النباتات الطبية الدائمة الخضرة . أزهارها كبيرة القدّ ، جميلة الشكل ، عديدة الألوان ، فيها الأبيض والأحمر ، والوردي .
( 3 ) العلقم : الحنظل . نبات معمّر من الفصيلة القرعية منبسط مدّاد ذو جذر متعمق في الأرض زهره أصفر ، وثمره لبّي كروي . و - : كل شيء مرّ .