أن يعظّم فقد أراد لنفسه ما أراد اللّه من العباد لذاته ولذلك جاء في الحديث المأثور عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « الكبر والعظمة رداء اللّه وإزاره ، فمن تعظم وتكبر فقد نازع اللّه » « 1 » .
فكلّ هذا يشهد على المتكبر بالصغار والذلة .
قلت : ما الحسد ؟ وما الذي يبعث عليه ؟ وهل هو والغش واحد ، أو اثنان ؟
قال : أصل الحسد والغش واحد ، يفترق على ضربين ، وأصلهما شدة الحرص .
والحسد يكون مع النعمة ، والغش يكون مع البلية .
والحسد أن تغتم بالنعم إذا كانت لغيرك ، تود لو أنها كانت مصروفة عنه .
والذي يبعث على الحسد الفقرة وشدة الشره « 2 » ، والذي يبعث على الغش قلة الرحمة ، وشدة القسوة ، والذي يبعث على الكبر نسيان النعمة .
قلت : أي شيء يدفع به الكبر والحسد والغش ؟
قال : الذي يدفع به الكبر معرفة العبد بفقره إلى مولاه ، وشدة حاجته إليه ، فإذا نظر إلى نفسه بعظم الحاجة والمسكنة ، قبل كل ما يكون من مولاه إليه ، وعظمت نعمه عليه ، ولم يضيع أمره ، ولم يصغّر مثله من العبيد .
والذي يدفع به الحسد معرفته باختيار الجبار له ، وحسن النظر لمن يلي على النعمة من قبله ، فإن حلّ شيء من النعمة بغيره فإنها لو كانت له خيرا ما منعها عنه المختار .
فإذا اشتغل الحاسد بهذا صرف عن جهة مكروهة ، وحلّ سروره ، فلم يغتم بحلول نعمة بغيره ، لعلمه أنها لو كانت خيرا حلّت به .
فإن غلبه الهوى نظر إلى الشيء بسرعة الزوال ، وتغير الأحوال .
فإن لم يدفع الحسد بهذا نظر إلى مكروهه ، وأيس مما يزيله عما حلّ به من النعم ، ونظر إلى نفسه وقد ناله غم حسده ، فحلّ المحسود براحة النعم ، وحلّ الحاسد برغم المكروه ، وتذكر قوله الأول :
إنّ للحاسد الرغم * وإنّ للعلا الحطب
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 414 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 6 / 328 ؛ 8 / 336 ، 338 ؛ 9 / 287 ) ، والهيثمي في ( موارد الظمآن 49 ) ، والبيهقي في ( الأسماء والصفات 138 ) ، وأبو حنيفة في ( جامع مسانيد 1 / 88 ، 113 ) ، وفي ( المسند 160 ) .
( 2 ) الشّره : أسوأ الحرص .