فإذا نظر الحاسد إلى نفسه قد حلّ بها الألم ، وحلّ المحسود بالراحة ، انصرف عن الحسد إذا كان ممن يحسن المخاطبة .
والذي يبعث على الغش مهانة النفس ، مع شدة الحرص ، وقلة الرحمة ، مع استبطان القسوة . والذي يدفع به الغش استبطان الرحمة ، ولين العريكة « 1 » .
ولا يخرج العبد من الغش حتى يخرج من الذل ، والتنافس في العز ، فإذا علم العبد أن أصل الغش المهانة ، مع ضعف الحيلة ، استبدل بالغش السلامة ، وسلم قلبه للعامة .
وإذا علم أنّ أحق الأوعية بالطهارة القلب ، وأنه أحق الأشياء بالدعة ، لم يستبطن ما يدنس قلبه ، وينصب نفسه ، إذا أراد بالغش ضررا بغيره ، وأن صاحبه لا يناله ما عقده من الغشّ عليه ، وقد الغش في قلبه هو .
وقد قيل : عجب لمن أبغض ذكر عبد ، وهو يقرب من ذكره ، وذلك أنك تبغض قربه ، وأنت تقرب ذكره ، إذ جعلته في قلبك مستكنّا .
فاذكر من ذكرك له زين ، وأعرض عن ذكر من ذكرك له شين .
وقد قالت الحكماء : « من نظر إلى نفسه وكل إليها » ، وقالت أيضا : « من سقم الناس منه حلّ في البلاء » .
قلت : إذا نفي الكبر عنه فما يحلّ به بعده ، وإذا نفي الحسد والغش عنه فإلى ماذا يصير ؟ وماذا يكون عقبه ؟
قال : إذا نفي عنه الكبر ، صار إلى التواضع ، وحلّ بالعزة ، وإذا نفي عنه الحسد ، صار إلى الرضى بما صنع به ربه ، وحلت به الراحة ، وإذا نفي عنه الغش ، صار إلى السلامة ، وحلّ به اليقين والرقة .
قلت : ما التواضع ، وما العزّ الذي يصير إليه العبد ، إذا نفي عنه الكبر ؟
قال : التواضع إذا صار إليه ، صار إلى الانقياد لأمر اللّه ، والعز والرضى بصنعه .
وإذا نفي عنه الحسد ، صار إلى الرضى بعلمه يختار كل ما حلّ به منه ، وعلم أن الذي حلّ بغيره ، لو كان خيرا له لم يصرف عنه .
والذي يصير إليه إذا نفي الغش عنه ، السلامة من ضيق الغش .
هامش
( 1 ) العريكة : الطبيعة والنفس . يقال : هو ليّن العريكة ؛ أي : سلس الخلق ، قليل الخلاف والنفور ( ج ) عرائك .