فحينئذ أعطيت القدرة على رّد كيده ، ولم يعط القوة على أن يكرهك على ما يريد منك .
فإذا تم علمك بعداوته ، وقلة حيلته ، وهانت عليك محاربته ، ونظرت إليه بالاستصغار له ، والقوة منك عليه ، والضعف منه ، وقلّة الحيلة فيما يريد منك ، وثبت على محاربته .
فكل بطل مستصغر لمبارزة ، قد استبطن القوة عليه ، وقلة الهيبة منه له ، فلا يحدث عدوه نفسه بحربه ، بل يترك المحاربة له ، إلى حرب من يرجو أن يكون منه منفعة ، ومن يصغي إلى قوله .
أما من سبق إليك العلم بأمره من الصادق الخبير ، فالعجب ممن يصغي إلى من هذه صفته .
فإذا تم علمك بعداوته لك حملك علمك على محاربته ، واستدللت من دلالته ، ووجدت من اللذة في مخالفته ، أعظم مما تجد من اللذة في موافقته .
فما من أحبك دلك على ما دلّك عليه ، وما هو إلا من عداوته إياك ، وتعصبه عليك ، فدلك على أي الأمور التي عليك فيها الضرر وأغراك بالمكروه لا بالمحبوب .
غير أنه لما قابل بين الشيئين ، الشيء الذي فيه لذة ، مع مالك فيه من العاقبة المبيدة والشيء الذي فيه مشقة مع ما لك فيه من العاقبة الحميدة ، اختار من عداوته إياك لذتك في الدنيا ، لما يعلم من شدة عاقبتها في الآخرة ، مع معرفته بزوال نعم الدنيا ، وبقاء عذاب الآخرة .
فكن ممن تنعم بإرغام عدوه ، وأحبب مولاك ، فإنك إذا حللت بحبه ، وجدت من اللذة في مخالفة الشيطان أعظم مما تجد من اللذة في موافقته .
اتخذه عدوا فإنه لا يألو في عدواتك جهدا ، لقد اشترى عداوتك بالغالي من الثمن ، وظفر منها بالقبيح من اللعن ، وجاءك بما يحلك بالخسران والندم .
ما ظنك بعبد ألقته عداوته إياك في شخص آدم هذا المقام ، أتراه حريصا إلا على أن يلقيك ملقاه .
اشتر ما باع خلاف ما اشترى ، وإنك لن ترو حتى تظفر بما فاته ، وتخالفه في محابه ، وصل بين الشيئين تعرف الفضل في أيهما .
المسائل — صفحة 18
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٨