فهذه المحاسبة في مستقبل الأعمال ، وهي : النظر بالتثبت قبل الزلل ، ليبصر ما يضره مما ينفعه ، فيترك ما يضره على علم ، ويعمل بما ينفعه على علم ، فمن اتقى العجلة وتثبت قبل فعله ، واستدل بالعلم ؛ أبصر ما يضره مما ينفعه قبل العمل بهما .
والمحاسبة الثانية في مستدبر الأعمال - وهو فعل ماض - نطق بها الكتاب والسنة وقالت بها علماء الأمة :
فأما الكتاب فقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
« 1 » .
قال قتادة وابن جريج : ما قدمت لغد : ليوم القيامة . ولم يقل في هذا الموضع ما تقدم ، وكذا فسره العلماء : إنما هو النظر لما مضى ، ليتوبوا من ذنوبهم التي مضت فيما مضى من أعمالهم .
وقال جل وعلا :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 2 » .
فأمرهم جل وعلا أن يستدبروا أعمالهم التي مضت ، بالندم على ذنوبهم ، والتوبة إلى ربهم .
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم مائة مرة » « 3 » .
هامش
( 1 ) الحشر : 18 .
( 2 ) النور : 31 .
( 3 ) الحديث عن الأغر المزني ، وأوله : « إنه ليغان على قلبي . . . » أخرجه مسلم في الذكر والدعاء 4 / 2075 ( 2702 ) ، وأبو داود في الوتر 2 / 84 ( 1515 ) ، وأحمد 4 / 211 ، 260 ، وابن المبارك في الزهد ( 1140 ) .