فهذا في مستدبر الأعمال .
وكذلك أهل الدنيا في صناعاتهم وأعمالهم : إذا أراد أحدهم أن يبتدئ العمل روّاه في نفسه وقدّره ومثّله في وهمه ؛ وصوّره في العاقبة : كيف يكون إذا فرغ منه ؟ فإذا تمثّل في وهمه على ما يريد من الإحكام والتمام ابتدأ فيه ، حتى إذا فرغ منه اعترضه خشية أن يكون كان منه زلل أو نسيان فأخطأ فيه وفرّط في إحكامه ، فإن رأى تفريطا أتم ما بقي منه وأصلح ما فسد منه .
فعمال اللّه عزّ وجل أولى بذلك ، أن يتثبتوا قبل أعمالهم ، ويمثلوها في أوهامهم : كيف تكون بعد فراغهم منها ، فلا فراغ لهم من جميعها إلا عند موتهم .
وكذلك روى عن الحسن أنه قال : ما جعل اللّه عزّ وجلّ لعمل المؤمن أجلا دون الموت ، ثم قرأ :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
« 1 » يعني الموت « 2 » .
وقيل لعمر بن عبد العزيز : لو تفرغت لنا ! فقال : ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند اللّه عزّ وجلّ .
وكذلك المستأجرون من أهل الدنيا : إنما فراغهم من أعمالهم إذا أتمّوها ، وإنما يحكمونها ويستعرضونها بعد فراغهم منها قبل أن يعرضوها على من استأجرهم ، لتكون على ما أراد وأحب ، وكذلك عمال اللّه جلّ وعزّ يتثبتون في أول أعمالهم ، ويعترضونها بعد فراغهم منها : كيف تكون إذا عرضت على خالقهم ؟ هل هي كما يرضى بها عنهم ؟ وهل أتمّوها كما أمرهم ؟
فشتان بينهما : هذا مخلوق استأجر مخلوقا بقليل فان مكدر ممزوج بالغموم ،
هامش
( 1 ) الحجر : 99 .
( 2 ) تفسير الحسن اليقين في الآية بالموت ، أخرجه ابن المبارك في الزهد ( 19 ) .