هو عارف به قادر عليه بغير ثمن ولا غرامة ، فعزم على ذلك وبذله لهم .
فكذلك هذا العبد المريد ، لما نظر إلى عباد اللّه عز وجل معرضين عن اللّه عز وجل ، قد مرضت قلوبهم ، وأعضل داؤهم ، وهو عارف بما يحييهم ، وينعشهم من صرعتهم ، ويشفيهم من سقم قلوبهم ، بإذن اللّه عز وجل ، عزم على ذلك ، فدعاهم إلى اللّه عز وجل ، وبصّرهم عيوبهم وداءهم ودواءهم .
فلما رأى العدو ذلك ، وجد موضع دعاء إلى الفتنة بالرياسة والتصنّع والرياء ، وتروّحت النفس ، وعلمت أن العباد لن يمتنعوا من تعظيمه وتبجيله وبرّه ، فانتشر عليه طبعها ، وحنّت من الإصابة من الدنيا والكرامة لأكثر مما رفضت من الدنيا ، لأنها كرامة ومنزلة فوق منزلة الأمراء .
فنصحهم عند ذلك ، وقد قويت نفسه وفرحت وارتاحت ، ووجد عدوّه موضعا لدعاء النفس إلى حبّ تعظيمهم وبرّهم ، وذلك أنهم إذا كانت توبتهم وشفاء أمراض قلوبهم على يديه ، صار أحبّ إليهم من آبائهم وأمهاتهم ، فآثروه بأبدانهم وأموالهم ، فصاروا له خولا كالخدّام ، يتقربون بذلك إلى اللّه عز وجل ، وخصّوه بأشرف المنازل ، وعظّموه في السلام ، وأكرموه وبرّوه .
وكل ذلك بخدعة نفسه وعدوه ؛ إنك تجترّهم وتشوّقهم إلى اللّه عز وجل ، وقد ركنت النفس إلى أكثر مما تركت من الدنيا ، فلن تعرى من المحن والبلوى والاختبار .
فإن ردّ عليه شئ من قوله ، أو خطّئ في عمله ، جاشت النفس فخيلت إليه وخيّل إليه عدوّه أنه غضب للّه عز وجل ، لئلا ينقطع المريدون عنه ويدعوا طريق الحق ، فأخرجه الغضب إلى الوقيعة فيمن عابه ، لئلا يصدّق في عيبه ، فخرج إلى المعصية في العباد بالغيبة ، بعد تركه لأكثر الحلال الواسع ، فإن فتر
الرعاية لحقوق الله — صفحة 664
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٦٦٤