تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 665

مساهمون:

ص٦٦٥
فترة عن قيام ليل أو صيام نهار ، أو كانت منه فلتة من ضحك أو غيره ، جزعت النفس أن يطلعوا على فترته وسهوه ، حتى يتكلف لهم بعض العمل ، ويخيل إليه العدو أنه إنما يريد بذلك أن لا يفتروا وينقطعوا عن العمل ، فتخيل له نفسه أنه يجزع من أن يتركوا الطريق بتركه هو الطريق ، فيترك طريق الآخرة . وإنما ذلك خدعة من النفس ، لتتم رياستها ، ولا ينصرفوا عن تعظيمها ، ولا يمتنعوا عن تبجيلها وإكرامها ، فيجزع أن يفطنوا لفترته ، حتى قد يعتذر بالكذب والصدق ، كأنه إنما كان لهم يعمل ، لا لربه جل وعز . فإذا فعل ذلك انقطعت من اللّه عز وجل عصمته ، ورفع عنه توفيقه ، فرجع متحيرا ممرّجا « 1 » لنفسه من حيث لا يعلم ، غير متفقد لها ، أخذ لها بألا يزول عنه ما ظهر لهم منه ، وعن تحقيق ما يدعو إليه ، لئلا تزول رياسته ، ولا تتضع منزلته ، فيرجع إلى معاصي اللّه عز وجل ، فتصير عامة طاعاته لغير اللّه عز وجل . فيبقى في الدنيا كذابا ، يدعو العباد إلى اللّه عز وجل وهو فارّ منه ، ويذكّر باللّه عز وجل وينساه ، ويظهر الزهد في الدنيا وأنه قد خرّبها بظاهره ، وقد رغب فيها وعمّرها بباطنه ، يتحبّب إليهم بما يظهر ، ويتبغّض إلى اللّه عز وجل بما يخفى ، ويظهر إلى العباد الانقطاع إلى اللّه عز وجل ، وهو عنه منقطع في باطنه . فنعوذ باللّه من الحيرة بعد الهدى ، ومن العمى بعد البصر ، ومن الإعراض عن اللّه بعد الإقبال إليه ، ونسأله السلامة والعون على ما يحب ويرضى . قلت : فمن أين يصح للعبد المريد النصح للعباد إذ كان كما ذكرت ؟ .
هامش
( 1 ) ممرّجا : مخلطا ، يقال : مرج الأمر أو الدين أي اختلط ، وأمر مريج : مختلط .